مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، فَزَعَمَ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ يَتَعَلَّقَانِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى يَسْمَعُ ذَوَاتِ الْجَوَاهِرِ وَأَعْرَاضَهَا كَالْأَلْوَانِ وَالصِّفَاتِ، وَيَرَى الْأَصْوَاتَ وَيُبْصِرُ اللُّغَاتِ. غَافِلًا عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ قَوْلِهِ: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٢: ١٦٩) وَمَعَ هَذَا زَعَمَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ فِي الْآخِرَةِ لِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ إِمَامُ الْمُوَحِّدِينَ، الَّذِي آتَاهُ حُجَّتَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَوْمِهِ وَهُمْ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ وَعَلَى سَائِرِ الْعَالَمِينَ، وَاطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ بِكَيْفِيَّةِ إِحْيَائِهِ تَعَالَى لِلْمَيِّتِينَ، فَكَيْفَ يَحْتَاجُ بَعْدَ كَشْفِ الْحُجُبِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى نَظَرِيَّاتِ السَّنُوسِيِّ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ نُظَّارِ الْمُتَكَلِّمِينَ؟ ؟
وَقَدْ صَرَّحَ السَّيِّدُ الْأُلُوسِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَارِفِينَ، بِمَا حَقَّقْنَاهُ هُنَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ الظَّنِّ فِي بَابِ الْإِشَارَةِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا) (٣٦) ذَمٌّ لَهُمْ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا يَجِبُ لِمَوْلَاهُمْ وَمَا يَمْتَنِعُ وَمَا يَجُوزُ، وَلَا يَكَادُ يَنْجُو مِنْ هَذَا الذَّمِّ إِلَّا قَلِيلٌ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ لَا بِالْفِكْرِ، بَلْ يَكَادُ يَقْصُرُ الْعِلْمُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ أَدِلَّةَ أَهْلِ الرُّسُومِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ مُتَعَارِضَةٌ، وَكَلِمَاتُهُمْ مُتَجَاذِبَةٌ، فَلَا تَكَادُ تَرَى دَلِيلًا سَالِمًا مِنْ قِيلَ وَقَالَ، وَنِزَاعٍ وَجِدَالٍ، وَالْوُقُوفُ عَلَى عِلْمٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ ذَلِكَ أَمْرٌ أَبَعْدُ مِنَ الْعَيُّوقِ، وَأَعَزُّ مِنْ بَيْضِ الْأَنُوقِ.
| لَقَدْ طُفْتُ فِي تِلْكَ الْمَعَاهِدِ كُلِّهَا | وَسَرَّحْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ |
| فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ | عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ |
(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ). صفحة رقم 311
لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ حَالَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فِي اتِّهَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِافْتِرَاءِ الْقُرْآنِ، وَبِتَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِهِ لَهُمْ، بَيَّنَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَقْسَامَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي تَكْذِيبِهِمْ وَمُسْتَقَبْلِ أَمْرِهِمْ أَوْ حَالِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ فِي الْإِيمَانِ، وَفِي عَمَلِ الْمُكَذِّبِينَ بِمُقْتَضَى تَكْذِيبِهِمْ، وَعَمَلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُقْتَضَى رِسَالَتِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ فِيهِمْ فَقَالَ: (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ) يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَإِنَّ قَوْمَكَ لَنْ يَكُونُوا كَأُولَئِكَ الظَّالِمِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمْ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ، بَلْ سَيَكُونُ قَوْمُكَ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ سَيُؤْمِنُ بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَقِسْمٌ لَا يُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) فِي الْأَرْضِ بِالشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ لِفَسَادِ فِطْرَتِهِمْ وَفَقْدِهِمُ الِاسْتِعْدَادَ لِلْإِيمَانِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُعَذِّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُخْزِيهِمْ وَيَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْزِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِفَسَادِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ فِي بَيَانِ حَالِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُؤْمِنُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا يُكَذِّبُهُ فِي الظَّاهِرِ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ جَهْلًا وَتَقْلِيدًا، وَمِنْ هَذَا الْفَرِيقِ مَنْ فَقَدَ الِاسْتِعْدَادَ لِلْإِيمَانِ وَهُمُ الْأَقَلُّونَ، وَسَيَأْتِي وَصْفُ حَالِهِمْ فِي الْآيَاتِ ٤٢ - ٤٤ قَرِيبًا وَلَهُ وَجْهٌ. وَأَمَّا الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ فَهُوَ قَوْلُ مَنْ فَسَّرُوا التَّأْوِيلَ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ الَّذِي بَيَّنَّا فَسَادَهُ: إِنَّ هَذَا بَيَانٌ لِحَالِهِمْ بَعْدَ إِتْيَانِ التَّأْوِيلِ الْمُتَوَقَّعِ أَيْ سَيَكُونُ مِنْهُمْ حِينَئِذٍ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا مَعْنَى لِإِتْيَانِهِ، وَأَنَّهُ مَتَى جَاءَ تَأْوِيلُهُ الْمُرَادُ وَهُوَ وُقُوعُ الْعَذَابِ، يَكُونُ الْإِيمَانُ بِهِ اضْطِرَارِيًّا عَامًّا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ
الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) (٧: ٥٣) وَتَأْوِيلُهُ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ أَوْ بِقِيَامِ السَّاعَةِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ مَعَهُ الْإِيمَانُ إِذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، بَلْ يُقَالُ لَهُمْ حِينَئِذٍ: (آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) كَمَا يَأْتِي فِي الْآيَةِ (٥١) وَانْظُرْ تَفْصِيلَهُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ (غَافِرٍ) (٤٠: ٨٢ - ٨٥) وَسَنُبَيِّنُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ (٤٦) عَدَمَ وُقُوعِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَفِي الْآيَةِ تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَكِّدُهَا مَا بَعْدَهَا وَهُوَ:
(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) أَيْ وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ فَقُلْ لَهُمْ: لِي عَمَلِي بِمُقْتَضَى رِسَالَتِي وَهُوَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَالْإِنْذَارُ وَالتَّبْشِيرُ، وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِمُسَيْطِرٍ وَلَا بِجَبَّارِ، وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، بِمُقْتَضَى تَكْذِيبِكُمْ وَشِرْكِكُمْ،
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني