ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون( ٥٠ ) :
وهذا رد شاف على استعجالهم للعذاب، فإن جاءكم العذاب فلنر ماذا سيكون موقفهم ؟
وهم باستعجالهم العذاب يبرهنون على غبائهم في السؤال عن وقوع العذاب.
وقول الحق سبحانه : أرأيتم . أي : اخبروني عما سوف يحدث لكم.
وشاء الحق سبحانه أن يأتي أمر العذاب هنا مبهما من جهة الزمان فقال سبحانه :
إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا.. ( ٥٠ ) [ يونس ] : والبيات مقصود به الليل ؛ لأن الليل محل البيتوتة، والنهار محل الظهور. والزمن اليومي مقسوم لقسمين : ليل، ونهار.
وشاء الحق سبحانه إبهام اليوم والوقت، فإن جاء ليلا، فالإنسان في ذلك الوقت يكون غافلا نائما في الغالب، وإن جاء نهارا، فالإنسان في النهار مشغول بحركة الحياة.
والحق سبحانه يقول في موضع آخر : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا( ١ ) بياتا وهم نائمون( ٩٧ ) [ الأعراف ]، ويقول سبحانه : أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون( ٩٨ ) [ الأعراف ] : ولو نظرت إلى الواقع لوجدت أن العذاب يأتي في الليل وفي النهار معا ؛ لأن هناك بلادا يكون الوقت فيها ليلا، وفي ذات الوقت يكون الزمن نهارا في بلاد أخرى.
وإذا جاء العذاب بغتة، وحاولوا إعلان الإيمان، فلن ينفعهم هذا الإيمان ؛ لأن الحق سبحانه يقول فيمن يتخذ هذا الموقف : آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين( ٩١ ) [ يونس ] : فإن جاءكم العذاب الآن لما استقلتم منه ؛ لأنه لن ينفعكم إعلان الإيمان، ولن يقبل الله منكم، وبذلك يصيبكم عذاب في الدنيا، بالإضافة إلى عذاب الآخرة، وهذا الاستعجال منكم للعذاب يضاعف لكم العذاب مرتين، في الدنيا، ثم العذاب الممتد في الآخرة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي