الذين آمنوا أي حقيقة الإيمان فإن الإيمان محله القلب وكمال الإيمان محله القلب أن يطمئن قلبه بذكر الله لا يغفل عنه ساعة ولا يلتفت إلى غيره وإلى الوصف الثاني بقوله وكانوا يتقون الله تعالى بإتيان أوامره وانتهاء نواهيه الظاهرة والباطنة، وروى أبو داود عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا : يا رسول الله تخبرنا من هم ؟ قال : هم قوم تحابون بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوا لله إن وجوههم لنور وإنهم على نوره يخافون إذا خاد الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٦٢ " (١) وروى البغوي بسنده عن أي مالك الأشعري نحو ذلك وكذا روى البيهقي في شعب الإيمان، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٦٢ قال :" الذين يتحابون في الله " وورد مثله من حديث جابر بن عبد الله أخرجه ابن مردويه.
فصل : في أسباب حصول الولاية : وهذه المرتبة أعني ولاية الله تعالى غنما يستفاد بالانعكاس من رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بلا واسطة أو بواسطة أو بوسائط ولا بد فيه من كثرة المجالسة مع المحبة والانقياد بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بمن ينويه، فإنهما يثمران محبة الله وانصباغ قلبه وقالبه ونفسه بصبغ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالبه ونفسه الذي هو صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة (٢) وكثرة الذكر على وجه مسنون يؤيد ذلك الانعكاس لكونه موجبا لصقالة القلب المستوجب للانعكاس، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لكل شيء صقالة و صقالة القلب ذكر الله " رواه البيهقي عن عبد الله بن عمر والله اعلم عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" قال الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتبادلين في " (٣) رواه مالك واحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وروى أحمد والطبراني والحاكم نحوه عن عبادة بن الصامت، وعن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم " قال :" المرء مع من أحب " (٤) متفق عليه، ومعنى قوله لم يلحق بهم أي لم يعمل مثل عملهم، وفي الصحيحين عن أنس نحوه، وعن أبي رزين انه قال : له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أدلك على ملاك هذا الأمر الذي تصيب منه خير الدنيا والآخرة ؟ عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك لسانك ما استطعت بذكر الله وأحب في الله وأبغض في الله " الحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله " (٥)رواه أحمد وأبو داود. ذكر المرادين ثم اعلم أن ما ذكرنا حال المريدين من أولياء الله تعالى، ومن أوليائه تعالى جماعة مرادون بدل عليه ما رواه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله إذا أحب عبدا دعا جبرئيل فقال غني أحب فلانا فأحبه قال : فيحبه جبرئيل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبد دعا جبرئيل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال : فيبغضه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال : فيبغضوه ثم يوضع له البغضاء في الأرض " (٦)
فصل : في علامة أولياء الله : ذكر البغوي عن النبي الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل من أولياء الله قال :" الذين إذا رأوا ذكر الله " وقال البغوي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" قال الله تعالى إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم " وروى ابن ماجة عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول :" ألا أنبئكم بخياركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال :
" الذين إذا راو ذكر الله " (٧)
فائدة : والسر في ذلك أن أولياء الله تعالى لهم قرب ومعية بالله تعالى غير متكفية يقتضي ذلك أن يكون مجالسهم كالمجالسة بالله تعالى ورؤيتهم مذكرا الله تعالى وذكرهم جالبا إلى ذكره تعالى كالمرآة إذا قوبلت بالشمس وامتلأت بنورها حصلت لها حالة إذا قوبل شيء بذلك المرآة يستضيء بمقابلة الشمس، بل يحترق القطنة بمقابلة المرآة دون مقابلة الشمس لقرب القطنة بالمرآة دون الشمس وأيضا ان الله سبحانه أودع في ذوات أوليائه استعداد تأثر من الله تعالى لقرب ومناسبة خفية غير متكفية به تعالى، واستعداد تأثير في الناس لأجل مناسبة جنسية ونوعية وشخصية فذلك التأثر والتأثير يقتضي حصول بالله تعالى، وذكره تعالى فيمن رآهم وجالسهم بشرط عدم الإنكار تعوذ بالله منه : والله لا يهدي القوم الفاسقين (٨) أي الخارجين عن الإيمان والانقياد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله تعالى :" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " (٩) رواه البخاري عن أبي هريرة، وفي الباب حديث حنظلة يا رسول اله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي العين خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد و الضيعات نسينا كثيرا فقل : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لو تدومون كما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات } (١٠) رواه مسلم. فائدة وليست علامة الأولياء ما زعمت العوام من خرق العادات ولا العلم بالمغيبات، فإنها لا توجد في كثير من أولياء الله، وقد يوجد في غيرهم على سبل الاستدراج وكونه في بعضهم نادرا لا يستلزم كون ذلك علامة للولاية كيف وقد قال : الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي (١١) وقال قل لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء (١٢) وقال : قل إنما الآيات عند الله (١٣) ونحو ذلك، وقد قالت الصوفية العلية : الكرامة حيض الرجال لابد استتارها ولا مزية لأحد على احد بها، ومن ثم ندم الرجال عن كثرة ظهور خرق العادات بأيديهم والله أعلم.
ومحل الذين آمنوا للنصب على المدح أو على كونه وصفا للأولياء، أو الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف يعني والجملة مادحة أو على انه مبتدأ خبره
٢ سورة البقرة، الآية: ١٣٨.
٣ قال الحاكم: في صحيح على شرطهما وأقره الذهبي، وقال المنذري: إسناد صحيح، وقال الهيثمي: رجال احمد والطبراني وثقوا.
انظر فيض القدير (٦٠٣٨)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الدب، باب: علامة حب الله عز وجل (٦١٧٩) وأخرجه كتاب: البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب (٢٦٤٠).
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة باب: مجانية أهل الأهواء وبغضهم (٤٥٨٧).
٦ أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٢٦٣٧)..
٧ أخرجه ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: من لا يؤبه له (٤١١٩) قال: في الزوائد: إسناده حسن وشهر بن حوشب وسويد بن سعيد مختلف فيهما وباقي رجال الإسناد ثقات..
٨ سورة المائدة، الآية: ١٠٨.
٩ أخرجه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: التواضع (٦٥٠٢)..
١٠ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: فضل الذكر والفكر في أمور الآخرة، والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا (٢٧٥٠)..
١١ سورة الكهف، الآية ١١٠..
١٢ سورة الأعراف، الآية ١٨٨..
١٣ سورة النعام، الآية ١٠٩..
التفسير المظهري
المظهري