ﭜﭝﭞﭟ

ويبيّن الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول : الذين آمنوا وكانوا يتقون( ٦٣ ) :
والإيمان هو الأمر الإعتقادي الأول الذي يبنى عليه كل عمل، ويقتضي تنفيذ منهج الله، والأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة.
والتقوى-كما علمنا- هي اتقاء صفات الجلال في الله تعالى، وأيضا اتقاء النار، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات من تصدر عنه التقوى ؛ لأنها مراحل، فقال صلى الله عليه وسلم يصف المتقين :" هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله عن وجوههم لنورن وإنهم لعلى نور " ( ١ ).
وقد سئل عمر-رضي الله عنه- عن المتقين فقال :" الواحد منهم يزيدك النظر إليه قربا من الله ". وكأنه-رضي الله عنه- يشرح لنا قول الحق سبحانه : سيماهم( ٢ ) في وجوههم من آثر السجود.. ( ٢٩ ) [ الفتح ] : وساعة ترى المتقي لله تسرّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك :
إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده ؛ لأن رؤياه تذكرك بالخشوع( ٣ )، والخضوع، والسكينة( ٤ )، ورقّة السّمت، وانبساط الأسارير.
والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خلل، بل يرى كل شيء في موضعه تماما، ولا يرى أي قبح في الوجود، وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول : إن هذا القبح يبيّن لنا الحسن، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناس الحقّ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق. إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير ؛ ولذلك يقال : كن جميلا في دينك تر الوجود جميلا ؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، ولكما تقرّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق( ٥ ).
ومثال ذلك : العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلّمه من لدنه علما، هذا العبد يعلم موسى عليه السلام( ٦ )، فحين قارن بين خرق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكما ظالما يأخذ كل سفينة غصبا ؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل : كيف تخرق سفينة سليمة ؟ وهنا بين له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين( ٧ ).
وحين قتل العبد الصالح غلاما، كان هذا الفعل في نظر سيدنا موسى جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله( ٨ )، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة( ٩ ).
ويقال : إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء ؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصرا، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر الصديق، أو عند صحابي جليل.
وأيضا حين دخل سيدنا موسى-عليه السلام- مع العبد الصالح على قرية واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما-وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال-فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسّة واللؤم ؛ فأقام العبد الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية.
ولم يكن سيدنا موسى-عليه السلام- قد علم ما علمه العبد الصالح من أن رجلا صالحا قد مات وترك لأولاده كنزا تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن الرشد ؛ فيقع الجدار ليجد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل القرية اللئام على السطو عليه( ١٠ ).
إذن : هذه هبات من فيض الحق سبحانه على عباده الصالحين، وهو سبحانه وتعالى يجعل مثل هؤلاء العباد كالصواري المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة.

١ أخرجه أبو داود في سننه(٣٥٢٧) من حديث عمر بن الخطاب، وتمامه:"إن ممن عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى" قالوا: يا رسول الله، تخبرنا: من هو؟ قال:"هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" وقرأ هذه الآية:ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(٦٢)[يونس].
٢ سيماهم: علامات التقوى والإيمان، وهو ذلك النور في وجوههم..
٣ خشع (خشوعا) إذا خضع، وخشع في صلاته ودعائه. وقيل: بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من (خشعت) الأرض إذا سكنت واطمأنت [المصباح المنير]..
٤ وخضع لغريمه (يخضع) خضوعا: ذل واستكال فهو خاضع وأخضعه الفقر: أذله. والخضوع قريب من الخشوع إلا أن الخشوع أكثر ما يستعمل في الصوت ومنه:وخشعت الأصوات للرحمن..(١٠٨)[طه] والخضوع في الأعناق ومنه قول الفرزدق: خضع الرقاب نواكس الأبصار.[المصباح المنير]..
٥ ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبهن فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر بهن ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه" أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٠٢) وأحمد في مسنده (٦/٢٥٦) عن أبي هريرة..
٦ قال سبحانه عن موسى وفتاه في لقائهما بالخضر عليه السلام:فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما(٦٥) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا(٦٦) قال إنك لن تستطيع معي صبرا(٦٧) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا(٦٨) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا(٦٩) قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا(٧٠)[الكهف]..
٧ القسط: وذلك أن موسى استنكر عليه فعله هذا فقال:أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا غمرا(٧١)[الكهف] فكان رده عليه فيما بعد:أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا(٧٩)[الكهف]..
٨ قال موسى:أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا(٧٤)[الكهف] فنبأه الخضر بتأويل ما لم يستطع فهمه أو استيعابه فقال له:وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشيا أن يرهقهما طغيانا وكفرا(٨٠) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما(٨١)[الكهف]..
٩ دعاميص: هم صغار الأطفال، فسر بالدويبة التي تكون في مستنقع الماء، قال: والدعموص: الدخال في الأمور، أي: أنهم سياحون في الجنة دخالون في منازلها، لا يمنعون من موضع، كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم، ولا يحتجب منهم أحد.[لسان العرب: مادة (د ع م ص)].
١٠ وهذا أمر ذكره رب العزة في كتابه فقال عن موسى والخضر:فانطلقا حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدار يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا(٧٧)[الكهف]. فقال له الخضر فيما بعد:وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري..(٨٢)[الكهف]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير