ﭜﭝﭞﭟ

الذين آمنوا وكانوا يتقون ٦٣ آمنوا بالله حق الإيمان يعبدونه كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه يحسون في عبادتهم كأنهم في حضرته العلية سبحانه، وهذا هو الإحسان، كما قال صلى الله عليه وسلم :" اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(١). وكانوا يتقون أي يخافون غضب الله تعالى ويتقون عذابه.
وإنهم إذ يؤمنون ذلك الإيمان ويحسنون ويتقون الله حق تقاته، تكون قلوبهم عامرة بذكر الله تعالى فلا يخافون من مستقبلهم، وقد فوضوا أمورهم لله تعالى وتوكلوا عليه سبحانه حق توكله بعد أخذهم بالأسباب، وتركوا لله تعالى مؤمنين أن يوفق ويربط الأسباب بمسبباتها.
وهنا عبارتان لهما مغزاهما :
العبارة الأولى – قوله تعالى : لا خوف عليهم ولا هم يحزنون أي أنهم يرجون ما يرجوه المؤمن من ربه فالله تعالى يلقي في قلوبهم الاطمئنان إلى المستقبل، وفي قوله تعالى : ولا هم يحزنون تأكيد لعدم الحزن :
أولا : بتكرار كلمة لا النافية، فإنها مؤكدة للنفي المذكور في لا خوف عليهم .
ثانيا : بذكر الضمير هم فذلك مؤكد من مؤكدات الحكم.
ثالثا : في التعبير بالمضارع الذي يصور الاستمرار فإنهم لا يداخلهم الحزن ؛ لأن قلوبهم عامرة دائما بذكر الله فامتلأت طمأنينة، والاطمئنان يطرد الحزن كقوله تعالى :.... ألا بذكر الله تطمئن القلوب ٢٨ ( الرعد ).
العبارة الثانية – قوله تعالى : وكانوا يتقون وفيه جمع بين الماضي والمضارع، والماضي في كانوا والمضارع في يتقون ، وهذا يفيد استمرار التقوى، قلوبهم ممتلئة دائما بخشية الله تعالى، وهم بذلك يستصغرون أعمالهم بجوار حق الله ويشعرون أنهم لم يؤدوا حق الله فيرجون رحمته ويخافون عذابه، وذلك مقام الصديقين القريبين من الله دائما.
عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن لله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله، قيل : يا رسول الله أخبرنا من هم، وما أعمالهم ؟ قال : هم قوم تحابوا في الله من غير ارحام بينهم ولااموال يتعاطونها فوالله ان وجوههم لنور وانهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس(٢)، ثم قرأ الآية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٦٢ الذين آمنوا وكانوا يتقون ٦٣ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
وقبل أن تترك الكلام في معنى الولاية وقد عرفها سبحانه بأنها الإيمان الخالص والإحسان الكامل وامتلاء النفس بالتقوى، لا بد أن نتكلم حول خوارق للعادات، يقولون أنها تجري على أيدي من يسمونهم أولياء، وبعض علماء الكلام يقولون : إنها تسمى كرامة، وذلك خلاف لما جاء على يد الرسل وسميت معجزات.
ويذهب البعض إلى وجوب الإيمان بكرامة الأولياء، ونحن نقول : لا نزيد على الذين ركنا من أركان الإيمان، فمن رأى خوارق جرت على يد رجل ليست سحرا فليسر بما رأى، ومن لم ير شيئا من ذلك فليس له أن يؤمن بما لم يكلفه الله تعالى الإيمان به.
وقد ذكر سبحانه ما ينال أولياء الله تعالى من خير بقوله :

١ متفق عليه، وقد سبق تخريجه..
٢ أخرجه أحمد: باقي مسند الأنصار- مسند أبي مالك الأشعري رضي الله عنه(٢٢٣٩٩)..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير