ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم( ٦٥ ) :
تجيء هذه الآية بعد أن بيّن لنا الله سبحانه وتعالى اعتراضات الكفار، وإيذاءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له وقولهم فيه ما قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك طلب منه الحق سبحانه ألاّ ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، فقد قالوا : ساحر، وكاذب، ومفتر، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحرا فلماذا لم يسحرهم هم أيضا، وهل للمسحور إرادة مع الساحر ؟ !
إذن : كذّب قولهم في أنه صلى الله عليه وسلم سحر عبيدهم وأولادهم.
وقالوا : مجنون، ولم يكن في سلوكه صلى الله عليه وسلم أدنى من جنون، وفنّد أقوالهم هذه بقوله سبحانه : ن والقلم وما يسطرون( ١ ) ما أنت بنعمة ربك بمجنون( ٢ ) وإن لك لأجرا غير ممنون( (١) ) ( ٣ ) وإنك لعلى خلق عظيم( ٤ ) [ القلم ] :
فالمجنون لا يكون على خلق عظيم أبدا.
وحين قالوا : إنه افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال( (٢) )، وعجزوا عن ذلك رغم أنهم مرتاضون( (٣) ) للشعر والأدب والبيان.
وقول الحق سبحانه : ولا يحزنك قولهم.. ( ٦٥ ) لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام الدعوة ؛ لأن .. العزة لله جميعا.. ( ٦٥ ) والعزة هي القوة، والغلبة، ويقال : هذا الشيء عزيز، أي : لا يوجد مثله، وهو سبحانه العزيز المطلق ؛ لأنه لا إله إلا هو لا يغلب ولا يقهر.
وتلحظ حين تقرأ هذه الآية وجود حرف " الميم " فوق كلمة قولهم ( (٤) ) وتعني : ضرورة الوقف هنا.
ولسائل أن يقول : كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن مبنّي على الوصل ؛ وآخر حرف في كل سورة تجده منوَّنا، وليس في القرآن ما يلزم الوقف للقارئ ؟
وأقول ردّا على هذا التساؤل : إن العلماء حين لاحظوا ضعف ملكة اللغة ؛ جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارئ-الذي لا علم له بالبيان العربي- كيف يقرأ هذه الآية، فهب أن واحدا لا يملك فطنة الأداء، فينسب .. إن العزة لله جميعا.. ( ٦٥ ) إلى ولا يحزنك قولهم.. ( ٦٥ ) . ويخطئ الفهم، ويظن-معاذ الله- أن العزة لله هي أمر يحزن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك جاء العلماء بالوقف هنا لندقّق القراءة ونحسن الفهم.
ولذلك علينا أن نقرأ .. ولا يحزنك قولهم.. ( ٦٥ ) ثم نتوقف قبل أن نتابع القراءة إن العزة لله جميعا.. ( ٦٥ ) ؛ وبهذا نفهم المعنى : يجب ألا تحزن يا محمد ؛ لأن أقوالهم لن تغيّر في مجرى حتمية انتصارك عليهم.
ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر محدد، هو أنه صلى الله عليه وسلم مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه أن يلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه.
وبيّن له الحق سبحانه : أنهم إذا ما صدّوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما يقولون ؛ فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حجّة، وقد جاء فيهم قول الحق سبحانه : وجحدوا بها واستيقنتها( (٥) ) أنفسهم.. ( ١٤ ) [ النمل ] : وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيتمّ الله نوره، ولا يوجد أعز من الله سبحانه وتعالى، ولن يجير أحد على الله أحدا، فهو سبحانه يجير ولا يجار عليه.
وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد تكون عزة حجّة، وقد تكون عزة حلف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق الله سبحانه قد توجد له عزة مجال ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه شاملة مطلقة في كل محيط وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء.
ولماذا لم يأت الحق سبحانه بأسلوب القصر( (٦) ) في هذه الآية ؟ أي : أن تأتي الصفة للموصوف وتنفيها عما عداه ؛ كأن نقول :" لزيد مال ليس لغيره ". وإذا قدمنا الجار والمجرور-وهو المتعلق-فنقول :" لفلان كذا "، وهذا يعني أن غير فلان ليس له كذا.
وإن قلنا :" فلان له كذا " فيصح أن نقول :" ولفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا ".
أما إذا قلت :" لفلان كذا " فمعناه : امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت.
وهنا يقول الحق سبحانه : .. إن العزة لله جميعا.. ( ٦٥ ) : وجاء بالتأكيد ولم يأت لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره ؛ لأنه لا يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبرا كونيا بأن العزة لله جميعا.
وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك- وهو خالق الخلق- فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت-معاذ الله- قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبدا مع آيات الحق سبحانه ؛ لأنه هو خالق الكون، وهو منزل الآيات ؛ فلا يكن أن يحدث تناقض أبدا بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى.
وقد حدث أن ادعى بعضهم العزة( (٧) ) لنفسه وقالوا : .. لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.. ( ٨ ) [ المنافقون ] : وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة للمؤمنين، إذن : فالعزة قد ادّعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر ؟ نقول : لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول : .. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. ( ٨ ) [ المنافقون ] : فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى.
وقوله الحق سبحانه هنا : .. إن العزة لله جميعا.. أي : في كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى، إن كانت عزة حكمة فهو الحكيم، وإن كانت عزة القبض على الأمور فهو العزيز، وإن كانت عزة الحلم فهو الحليم، وإن كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبّار، وكلّ ألوان العزة لله تعالى : .. هو السميع العليم( ٦٥ ) [ يونس ] : وما دامت العزة هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يقهر منه، وما دام الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإن كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، فهو السميع لما يقال والعليم بما يفعل.
ونحن نعلم أن المنهّي عنه هنا هو : ولا يحزنك قولهم.. ( ٦٥ ) [ يونس ] : لذلك كان المناسب أن يقال : هو السميع.. أولا.
ويريد الحق سبحانه أن يدلّل على هذه القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو الكون من يقف أمامه سبحانه ؛ لذلك لا بد أن نلحظ أن قانون " العزة لله جميعا " محكوم بأن لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض.
لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون( (٨) ) ( ٦٦ ) :

١ من عليه بالعتق وغيره (منا) من باب قتل. وامنن عليه به: أنعم عليه به. والاسم المنة، والجمع (منن) والمنة بالضم: القوة، وهي من الأضداد. ومننت عليه: أي: عددت له ما فعلت له من الصنائع. وفي هذا تكدير وتغيير تنكسر منه القلوب. لهذا نهى الشارع عنه في قوله:يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين(٢٦٤)[البقرة].
ومننت الشيء أيضا إذا قطعته فهو ممنون. والمن: شيء يسقط من السماء. فيجنى.[المصباح-بتصرف]..

٢ وذلك قوله تعالى:أم يقولون افتراه قل فاتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين(٣٨)[يونس]..
٣ مرتاضون للشعر: أي: لهم دربة على قول الشعر ونظمه..
٤ وهذا هو الموقف اللازم، ومثله قوله تعالى:إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله..(٣٦)[الأنعام]..
٥ الجحود: الإنكار رغم العلم. واستيقن الأمر: علمه على سبيل اليقين.[لسان العرب: مادة (ى ق ن)]..
٦ أسلوب القصر (أو الحصر): هو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. وينقسم إلى: قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف؛ وكل منهما إما حقيقي وإما مجازي.[الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي-٣/١٤٩]..
٧ ود: هو عبد الله بن أبي رأس النفاق في المدينة، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق في شهر شعبان في السنة السادسة من الهجرة، وذلك أنه وصف محمدا وصحبه فقال:"قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم اقبل على من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم" أورده ابن هشام في السيرة النبوية (٣/٢٩١، ٢٩٠)..
٨ ود: يخرصون: يتبعون ظنونهم وكذبهم وإفكهم [تفسير ابن كثير (٢/٤٢٤)]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير