ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قالوا أجئتنا لتلفتنا( ١ ) عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما( ٢ ) الكبرياء( ٣ ) في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين( ٧٨ ) :
وهنا نجد سحرة فرعون ينسبون مجيء معجزة تحول العصا إلى حية، ينسبونها لموسى-عليه السلام-رغم أمن موسى عليه السلام قد نسب مجيء المعجزة إلى الله تعالى.
وكان واجب المرسل إليه-فرعون وملئه أن ينظر إلى ما جاءه به الرسول، لا إلى شخصية الرسول( ٤ ).
ولو قال فرعون لموسى :" جيء بك " لكان معنى ذلك أن فرعون يعلن الإيمان بأن هناك إلها أعلى، ولكن فرعون لم يؤمن لحظتها ؛ لذلك جاء قوله : أجئتنا فنسب المجيء على لسان فرعون لموسى عليه السلام.
ولماذا المجيء ؟
يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه : أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا.. ( ٧٨ ) [ يونس ] : والالتفات هو تحويل الوجه عن شيء مواجه له، وما دام الإنسان بصدد شيء ؛ فكل نظره واتجاهه يكون إليه، وكان قوم فرعون على فساد وضلال، وليس أمامهم إلا ذلك الفساد وذلك الضلال.
وجاء موسى عليه السلام ؛ ليصرف وجوههم عن ذلك الفساد والضلال، فقالوا : أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا.. ( ٧٨ ) [ يونس ] : وهكذا يكشفون حقيقة موقفهم، فقد كانوا يقلدون آباءهم، والتقليد يريح المقلّد، فلا يعمل عقله أو فكره في شيء ليقتنع به، ويبني عليه سلوكه( ٥ ).
والمثل العامي يصور هذا الموقف بعمق شديد حين يقول :" مثل الأطرش في الزفة " أي : أن فاقد السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة، بل يسير مع الناس حيث تسير، ولا يعرف له اتجاها.
والمقلد إنما يعطل فكره، ولا يختار بين البدائل، ولا يميز الصواب ليفعله، ولا يعرف الخطأ فيتجنَّبه.
وفرعون وملؤه كانوا على ضلال، هو نفس ضلال الآباء، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة الاختيار، بل قد يحقق شهوات عاجلة.
أما تمييز الصواب من الخطأ وإتباع منهج السماء، فهو يحجب الشهوة، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال الذي يطيل أمد( ٦ ) الشهوة. إذن : فالمقلد بين حالتين :
الحالة الأولى : أنه لا يعمل عقله، بل يفعل مثل من سبقوه، أو مثل من يحيا بينهم.
والحالة الثانية : أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف، ولكن الرسول الذي يأتي إنما يلزمه بمنهج، فلا يكسب-على سبيل المثال- إلا من حلال، ولا يفعل منكرا، ولا يذم أحدا، وهكذا يقيد المنهج حركته، لكن إن اتبع حركة آبائه الضالين، فالحركة تتسع ناحية الشهوات.
ولذلك أقول دائما : إن مسألة التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية، فالنشء ما دام لم يصل إلى البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء، لكن فور أن تتكون له ذاتية يبدأ في التمرد، وقد يقول للآباء : أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح لهذا الزمان، لكن إن تشرب النشء القيم الدينية الصحيحة ؛ فسيمتثل لقانون الحق، ويحجز نفسه عن الشهوات.
ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج الله في تربية الأبناء وهم يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران( ٧ ) السوء، فيتجهون إلى ما يوسع دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد.
لكن أبناء الأسر الملتزمة يراعون منهج الله تعالى ؛ فلا يقلدون أحدا من أهل السوء ؛ لأن ضمير الواحد منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب.
ثم إن تقليد الآباء قد يجعل الأبناء مجرد نسخ مكررة من آبائهم، أما تدريب وتربية الأبناء على إعمال العقل في كل الأمور، فهذه هي التنشئة التي تتطور بها المجتمعات إلى الأفضل إن اتبع الآباء منهج الله تعالى، وتتكون ذاتية الابن على ضوء منهج الحق سبحانه، فلا يتمرد الابن متجها إلى الشر، بل قد يتمرد إلى تطوير الصالح ليزيده صلاحا.
التقليد-إذن-يحتاج إلى بحث دقيق ؛ لأن الإنسان الذي سوف تقلده، لن يكون مسئولا عنك ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل : يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن والده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.. ( ٣٣ ) [ لقمان ] : إذن : فأمر الابن يجب أن يكون نابعا من ذاته، وكذلك أمر الأب، وعلى كل إنسان أن يعمل عقله بين البدائل( ٨ ).
ولذلك تجد القرآن الكريم يقول على ألسنة من قلدوا الآباء : وإذ قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا( ٩ ) عليه آباءنا.. ( ١٧٠ ) [ البقرة ] : فإذا كانت المسألة مسألة تقليد، فلماذا يتعلم الابن ؟ ولماذا لا ينام الأبناء على الأرض ولا يشترون أسرة ؟ ولماذا ينجذبون على التطور في الأشياء والأدوات التي تسهل الحياة ؟
فالتقليد هو إلغاء العقل والفكر، وفي إلغائهما إلغاء التطور والتقدم نحو الأفضل.
إذن : فالقرآن يحثنا على أن نستخدم العقل ؛ لنختار بين البدائل، وإذا كان المنهج قد جاء من السماء، فلتهتد بما جاء لك ممن هو فوقك، وهذا الاهتداء المختار هو السمو نحو الحياة الفاضلة.
يقول الحق سبحانه : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا( ١٠ ) ما وجدنا عليه آباءنا.. ( ١٠٤ ) [ المائدة ] : أي : أنهم أعلنوا أنهم في غير حاجة للمنهج السماوي فرد عليهم القرآن : .. أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون( ١٠٤ ) [ المائدة ] : وهكذا نجد أن القرآن قد جاء بموقفين في آيتين مختلفتين عن المقلدين :
الآية الأولى : هي التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى : .. بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون( ١٧٠ ) [ البقرة ].
والآية الثانية : هي قول الحق سبحانه وتعالى : .. حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون( ١٠٤ ) [ المائدة ] : وهم في هذه الآية أعلنوا الاكتفاء بما كان عليه آباؤهم.
وهناك فارق بين الآيتين، فالعاقل غير من لا يعلم ؛ لأن العاقل قادر على الاستنباط، ولكن من لا يعلم فهو يأخذ من استنباط غيره.
إذن : فالذين اكتفوا بما عند آبائهم، وقالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا.. ( ١٠٤ ) [ المائدة ] : هؤلاء هم الذين غالوا في الاعتزاز بما كان عند آبائهم ؛ لذلك جاء في آبائهم القول بأنهم لا يعلمون.
أي : ليس لهم فكر ولا علم على الإطلاق، بل يعيشون في ظلمات من الجهل.
وهنا يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه : قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض.. ( ٧٨ ) [ يونس ] : أي : هل جئت لتصرفنا، وتحوّل وجوهنا أو جهتنا أو طريقنا وتأخذنا عن وجهة آبائنا الذين نقلدهم } لتأخذ أنت وأخوك الكبرياء في الأرض ؟
وهكذا يتضح أنهم يعتقدون أن الكبرياء الذي لهم في الأرض قد تحقق لهم بتقليدهم آباءهم، وهم يحبون الحفاظ عليه، والأمر هنا يشمل نقطتين :
الأولى : هي ترك ما وجدوا عليه الآباء.
والثانية : هيب الكبرياء( ١١ ) والعظمة في الأرض.
ومثال ذلك : حين يقول مقاتل لآخر :" ارم سيفك " وهي تختلف عن قوله :" هات سيفك "، فرمي السيف تجريد من القوة، لكن أخذ السيف يعني إضافة سيف آخر إلى ما يملكه المقاتل الذي أمر بذلك.
وهم هنا وجدوا في دعوة موسى عليه السلام مصيبة مركبة. الأولى : هي ترك عقيدة الآباء.
والثانية : هي سلب الكبرياء، أي : السلطة الزمنية والجاه والسيادة والعظمة والائتمار( ١٢ )، والمصالح المقضية، فكل واحد من بطانة( ١٣ ) الفرعون يأخذ حظه حسب اقترابه من الفرعون.
ولذلك أعلنوا عدم الإيمان، وقالوا ما ينهي به الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصددها : وما نحن لكما بمؤمنين( ٧٨ ) [ يونس ] : أي : أن قوم فرعون والملأ أقرُّوا بما حرصوا عليه من مكاسب الدنيا والكبرياء فيها، ورفضوا الإيمان بما جاء به موسى وهارون-عليهما السلام.
٢ لكما: أي: لموسى وهارون عليهما السلام..
٣ الكبرياء: العظمة والرياسة.[ابن كثير ٢/٤٢٦]..
٤ فمما قاله فرعون عن موسى يطعن في شخصيته ما حكاه رب العزة في قوله تعالى:ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون(٥١) أو أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين(٥٢)[الزخرف] وذلك أن موسى كان لسانه لا ينطلق بالكلام، وقد عبر عن ذلك في دعائه:قال رب اشرح لي صدري(٢٥) ويسر لي أمري(٢٦) واحلل عقدة من لساني(٢٧) يفقهوا قولي(٢٨)[طه]..
٥ وهذا التقليد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه، فعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا" أخرجه الترمذي في سننه (٢٠٠٧) وقال: حيث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه..
٦ أمد الشهوة: غايتها. والأمد: منتهى الأجل. وقد وردت هذه اللفظة ثلاث مرات في القرآن، فقال تعالى:قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا(٢٥)[الجن] أي: زمانا بعيدا. وقال سبحانه:يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا..(٣٠)[آل عمران] أي: في غاية البعد. وقال تعالى:ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا(١٢)[الكهف] أي: مدة وزمانا..
٧ أقران: جمع قرن(بكسر القاف وتسكين الراء) وهو النظير والمثيل. والمراد بأقران السوء: أصدقاء السوء ورفقاء الشر والرذائل.[لسان العرب: مادة (ق ر ن)-بتصرف]..
٨ البدائل: ما يصلح لن يختار منه الإنسان، فهي مواضع الاختيار في التكليف، فله أن يختار بين الإيمان والكفر، الطاعة والمعصية، قال تعالى:ونفس وما سواها(٧) فألهمها فجورها وتقواها(٨) قد أفلح من زكاها(٩) وقد خاب من دساها(١٠)[الشمس]..
٩ ألفينا: وجدنا. ألفى الشيء وجده. قال تعالى:إنهم ألفوا آباءهم ضالين(٦٩)[الصافات]، وقال:وألفينا سيدها لدا الباب..(٢٥)[يوسف] أي: وجداه..
١٠ حسبنا: يكفينا. وهناك فارق بين قوله الكافرين المقلدين لآبائهم هنا، وبين قول المؤمنين لهذه الكلمة:حسبنا، فالمؤمنون قالوا:.. حسبنا الله ونعم الوكيل(١٧٣)[آل عمران[، وقالوا:حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله..(٥٩)[التوبة]، فالمؤمنون اكتفوا بما جاءهم عن الله وأوكلوا الأمر إلى الله رغم معاداة الآباء لهم ورغم أن موقفهم هذا سيضرهم في دنياهم وقد يقطع أرزاقهم، فهم قد نظروا إلى الآخرة، أما الكافرون فإنهم يعيشون دنياهم بكل ما فيها من ملذات وشهوات..
١١ الكبرياء: العظمة والملك. وهي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تعالى. قال صاحب "القاموس القويم" هي العظمة والتجبر والسلطان والسيطرة، وهي في حق الله سبحانه العظمة الحق، والسلطان القوي، والسيطرة الكاملة" بتصرف..
١٢ الائتمار: التشاور في الأمر والتواصي به. ويسمى التشاور ائتمارا لأن المتشاورين يقبل بعضهم أمر بعض. ومنه قوله تعالى:وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى عن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك..(٢٠)[القصص].[القاموس القويم. وانظر تفسير ابن كثير ٣/٣٨٣]..
١٣ بطانة الرجل: خاصته.[لسان العرب: مادة (ب ط ن)]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي