خالدين فيها ما دامت السموات والأرض قال : الضحاك أي ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك سماء وكل ما استقر عليه قدمك أرض، ولا شك أن اجتماع الناس المذكور فيما سبق يدل على أن لهم مظل ومقل، وقال أهل المعاني هذه عبارة عن التأبيد على عادة العرب يقولون لا يأتيك ما دامت السماوات والأرض يعنون أبدا إلا ما شاء ربك ظاهر هذه الآية يقتضي انقطاع استقرارهم في النار، ويؤيده ما روي عن ابن مسعود قال :" ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا " وعن أبي هريرة مثله و به قال : من الصوفية الشيخ محي الدين ابن العربي، لكن هذا القول مردود بالإجماع والنصوص قال : الله تعالى : الصيد وانتم حرم إن ١ أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد " واخرج الطبراني في الكبير والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فلما قدم عليهم قال : يا أيها الناس إني رسول اله صلى الله عليه وسلم إليكم يخبركم أن المرد إلى الله إلى جنة أو نار خلود بلا موت وإقامة بلا ظعن في أجساد لا تموت " وأخرج الشيخان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل خالد فيما هو فيه " ٢ واخرج البخاري عن أبي هريرة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقال يأهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار لا موت }٣ أخرجه الشيخان عن ابن عمرو أبي سعيد والحاكم وصححه عن أبي هريرة، قال : البغوي معنى قول ابن مسعود وأبي هريرة ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد عند أهل السنة إن ثبت أن لا يبقى فيها احد من أهل الإيمان، وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا وقد ذكرت في تفسير قول تعالى لابثين فيها أحقابا ٢٣ ٤ أنها في حق أهل الهواء من أهل القبلة وعند أكثر المفسرين المراد بالأحقاب أحقاب غير متناهية، ولما كان الإجماع على خلود الكفار في النار اختلفوا في تفسير هذه الآية وتأويل هذين الاستثنائين.
والمختار عندي أن الاستثناء في هذه الآية محمول على أنهم يخرجون من الجحيم إلى الحميم يسحبون٧١ في الحميم ثم في النار يسجرون ٥وهكذا أبدا، قال : البغوي في تفسير قوله تعالى : يطوفون بينها وبين حميم آن ٤٤ ٦إنهم يسعون بين الحميم وبين الجحيم، فإذا استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل قال : الله تعالى : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ٧أو من النار إلى الزمهرير. روى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" اشتكت النار إلى ربها فقالت : يارب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من حرها وأشد ما تجدون من الزمهرير من زمهريرها " ٨ وكذا أخرج البزار عن أبي سعيد واخرج أبو سعيد مثله من حديث أنس، وقال بعض المحققين الاستثناء في أهل الشقاء يرجع على قوم مؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها، عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته فيقال لهم الجهنميون " ٩ رواه البخاري، وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميون " رواه البخاري ونحوه عن المغيرة بن شعبة عند الطبراني وزاد " فيدعون الله ان يمحو عنهم الاسم فيمحو الله عنهم " وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ٢ وقد روي معناه في حديث طويل عن أبي موسى الطبراني والبيهقي وابن أبي حاتم، وعن أبي سعيد الطبراني، وفي دخول المؤمنين المذنبين النار وخروجهم منها أحادث بلغت حد التواتر، قال : قال : البيضاوي فساق المؤمنين يخرجون من النار وذلك كاف في صحة الاستثناء لن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم يفارقون عن الجنة أيام عذابهم فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله تعالى فمنهم شقي وسعيد تقسيما صحيحا لن من شرطه أن يكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط إنما يكون في الانفصال الحقيقي أو مانع الجمع والمراد ههنا منع الخلق، والمعنى أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين ولا يخرج حالهم عن الشقاوة والسعادة وذلك لا يمنع اجتماع المرين في شخص باعتبارين انتهى، وقيل ما شاء ههنا بمعنى من شاء والمراد بهم أيضا عصاة المؤمنين في الاستثنائين، ومرجع هذا القول إلى القول الثاني وقيل المستثني في الفريقين زمان توقفهم في الموقف للحساب لن الظاهر يقتضي أن يكونوا في النار أو في الجنة حين يأتي اليوم، أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ عن كان الحكم مطلقا غير مقيد باليوم، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت في كلام البيضاوي المذكور سابقا، وقيل : هو استثناء من قوله تعالى لهم فيها زفير وشهيق ، وقال السيوطي في البدور السافرة أشبه القوال بالصواب انه ليس باستثناء وإنما إلا بمعنى سوى كما تقول لط علي ألف درهم إلا الألفان القديمان أي سوى الألفين، والمعنى خالدين فيها مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها مما لا منتهى له، وذلك عبارة عن الخلود، والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولا، ثم أردافه بما لا إحاطة للذهن به، وقيل : إلا بمعنى الواو يعني ما دامت السمات والأرض في الدنيا وما شاء ربك لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ١٠ يعني ولا للذين ظلموا، وقال الفراء : هذا استثناء استثناه ولا يفعله كقولك والله أضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه، فالمعنى إلا ما شاء ربك يعني لو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لم يشأ، وقال قتادة الله أعلم بثناياه إن ربك فعال لما يريد .
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، (٦٥٤٤) وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٢٨٤٩)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: وانذرهم يوم الحسرة (٤٧٣٠)..
٤ سورة النبأ، الآية: ٢٣..
٥ سورة غافر، الآية: ٧٢.
٦ سورة الرحمان، الآية: ٤٤.
٧ سورة الكهف، الآية: ٢٩.
٨ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر (٥٣٧) وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضيع الصلاة باب: استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر (٦١٥)..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في قول الله تعالى إن رحمت الله قريب من المحسنين(٧٣٥٠)..
١٠ سورة البقرة، الآية: ١٥٠..
التفسير المظهري
المظهري