ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

إذا ردده في الجوف، وقال أبو العالية (١): الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، ويبين هذا قول رؤبة (٢):

حَشْرَجَ في الجوفِ صهيلا أو شَهقْ حتى (٣) يقالَ ناهقٌ وما نَهَقْ
وكلام ابن عباس قريب مما قاله أهل اللغة والمفسرون، فإنه قال (٤): الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.
وقال في رواية عطاء في قوله: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ يريد: ندامة ونفسا عاليًا (٥) وبكاء لا ينقطع.
١٠٧ - قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، الأكثرون من أهل المعاني والتفسير على أن قوله: مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ للتأبيد (٦) والمراد به خالدين فيها أبدًا.
(١) الطبري ١٢/ ١١٦، الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، "زاد المسير" ٤/ ١٥٩، وفي "تهذيب اللغة" (شهق) ٢/ ١٩٤٦ عن الربيع.
(٢) البيت من قصيدة له يصف فيها حمار الوحش، وفيه (سحيلاً) وليس "صهيلًا"، و"حشرج" ردد الصوت في حلقة ولم يخرجه، و"السحيل" الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه، قاله في "اللسان".
انظر: "ديوانه" ص ١٠٦، "اللسان" (حشرج) ٢/ ٨٨٤، الطبري ١٥/ ٤٧٩، القرطبي ٩/ ٩٨، "البحر المحيط" ٥/ ٢٥١، "الدر المصون" ٦/ ٣٩٠، "تاج العروس" (حشرج) ٣/ ٣٢٦.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) الطبري ١٢/ ١١٦، الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، "زاد المسير" ٤/ ١٥٩.
(٥) ساقط من (ب).
(٦) الطبري ١٢/ ١١٧، البغوي ٤/ ٢٠٠، "زاد المسير" ٤/ ١٥٩، ابن عطية ٧/ ٤٠١، القرطبي ٩/ ٩٩.

صفحة رقم 556

قال الضحاك (١): ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك وثبت فهو أرض.
وقال الحسن (٢) أراد: ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا.
وقال ابن قتيبه (٣): للعرب في معنى الأبد ألفاظ يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وما دامت السماء والأرض، في أشباه كثيرة لهذا، يريدون: لا أفعله أبدًا، فخاطبهم الله بما يستعملون.
وقال ابن الأنباري (٤): إن الله تعالى خاطب العرب على ما تعقل، ومن ألفاظهم في التأبيد أن يقولوا: لا أفعل ذلك ما دامت السموات والأرض، وما أن السماء سماء، وما بلَّ بحر صوفة (٥)، وما ناحت الحمام وتغنت، وما أطت الإبل، وما اجترت الناب (٦)، وما لألأت الفور (٧) فلما

(١) الثعلبي ٧/ ٥٦ ب، البغوي ٤/ ٢٠٠، القرطبي ٩/ ٩٩.
(٢) الثعلبي ٧/ ٥٦ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨٦، وأبو الشيخ عن الحسن قال: "تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السموات وتلك الأرض" "الدر" ٣/ ٦٣٤.
(٣) "مشكل القرآن وغريبه" ١/ ٢١٣.
(٤) "زاد المسير" ٤/ ١٥٩.
(٥) "البيان والتبيين" ٣/ ٧.
(٦) في (ب): (النار).
(٧) في الثعلبي ٧/ ٥٧ أ "وما لألأت العُفْر بأذنابها". ويقال "ما لألأت الفوز بأذنابها" أي لا أفعل ذلك ما حركت الظباء أذنابها. انظر: "جمهرة الأمثال" ٢/ ٢٨١، "اللسان" (لأ لأ، فور)، "سمط اللآلئ" ص ٥، وفيه (ما لألأت العفر).

صفحة رقم 557

كانوا يستعملون هذه الألفاظ ظنًّا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، خاطبهم الله على سبيل ذلك فقال تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ عندكم وليست عندنا دائمة، كما قال -يعني أبا جهل-: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك، فأما عندنا فلا.
فعلى هذا القول معنى الاستثناء في قوله: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ؛ قال الفراء: (١) هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ، ولا يشاؤه.
هذا كلامه وزاده أبو بكر بيانا فقال: يجوز أن يكون الاستثناء ذكره الله تعالى وهو لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا، كما يقول الرجل لغلامه: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوي إلا ضربه، فمعنى الاستثناء منه أني لو شئت أني لا أضربك لقدرت، غير أني مجمع على ضربك، وكذلك معنى الآية خالدين فيها أبدًا إلا أن يشاء ربك، وهو لا يشاء إلا تخليدهم، فوقع الاستثناء على معنى لو شاء أن لا يخلدهم لقدر، والدليل على أن الاستثناء هاهنا لا يعود إلى (٢) نقص الخلود أن الله تعالى بين في مواضع من كتابه أنه يخلد الكافرين في النار، والمؤمنين في الجنة، فإذا ذكر في هذه الآية الاستثناء، كان ذلك استثناء لا يكون ولا يوجد، فجرى مجرى قول العرب: والله لأهجرنك أبدًا (٣) إلا أن يشيب

(١) "معاني القرآن" ٢/ ٢٨.
(٢) في (ي): (على).
(٣) ساقط من (ب).

صفحة رقم 558

الغراب (١)، وهذا الاستثناء لا يفيد نقص شيء من التأبيد؛ لأن الغراب لا يشيب، كذلك الله تعالى [لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا بعد أن أخبر به.
وهذا القول ذكره أبو إسحاق (٢) في أحد قولي أهل اللغة، وحكى قولا آخر، قال بعضهم]: (٣) الاستثناء وقع من الخلود بمقدار موقفهم للحساب، المعنى: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار موقفهم للحساب.
وقال ابن كيسان: الاستثناء وقع بمقدار تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، واختاره ابن قتيبة (٤) فقال: خالدين في النار إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
وقيل: الاستثناء يعود إلى حبس الفريقين في البرزخ، وهذه الأقوال قريبة من السواء؛ لأنه يمكنك الجمع بينها فتقول: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثم يصيرون إلى النار أبدًا أو إلى الجنة أبدًا.
وقال جماعة (٥) من المفسرين: هذا الاستثناء يعود إلى إخراج أهل

(١) هذا المثل يضرب في الاستحالة، انظر: "المستقصى" ٢/ ٥٩، "فصل المقال" ٤٧٤، ٤٨٢، "تمثال الأمثال" ٤٢٢.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٧٩.
(٣) ما بين المعقوفين مطموس في (ب).
(٤) "مشكل القرآن وغريبه" (١/ ٢١٤، "تأويل مشكل القرآن" / ٧٦.
(٥) ذكره الطبري ١٢/ ١٢٠ عن قتادة وأبي سنان، والضحاك، وخالد بن معدان. الثعلبي ٧/ ٥٧ أ، البغوي ٤/ ٢٥٠، "زاد المسير" ٤/ ١٦٠ وعزاه لابن عباس والضحاك.

صفحة رقم 559

التوحيد [من النار] (١) وقدر مدة إدخال مذنبي المسلمين النار، وكأنه قال: خالدين في النار أبدًا إلا ما شاء ربك من [إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة أبدًا إلا ما شاء ربك من] (٢) إدخال المذنبين النار مدة من المدد ثم يصيرون إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن عباس (٣)، وعلى هذا الاستثناء وقع من الخلود، ولهذا قال: مَا شَاءَ ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون.
قال أبو إسحاق (٤): ويجوز أن يكون الاستثناء من الزفير والشهيق على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا إلا ما شاء ربك [من أنواع العذاب الذي لم يذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم ما لم يذكر ما شاء ربك] (٥). هذا كله إذا قلنا إن المراد بقوله ما دامت السموات والأرض التأبيد، [فإذا قلنا ليس المراد به التأبيد، وهو قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ (٦): من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما (٧)، وهذا لا يدل على التأبيد، لكنه يتبين بما قد حصل طول مدته وتصورت حالة مشاهدته، فكأنه قال: خالدين فيها مدة العالم، وسَهُلَ أمر الاستثناء لأن

(١) ساقط من (ي).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٣) الثعلبي ٧/ ٥٧ أ، وأخرجه ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٨٦، وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في "الدر" ٦/ ٦٣٤، "زاد المسير" ٤/ ١٦٠.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٨٠.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) "تنوير المقباس" ص ١٤٥، والثعلبي ٧/ ٥٦ ب.

صفحة رقم 560

للسموات والأرضِ وقتا تتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم: ٤٨]، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و (إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء (١)، واحد قولي أهل اللغة فيما حكاه الزجاج (٢)، وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب كون (إلا) بمعنى الواو وبمعنى سوى (٣).

(١) "معاني القرآن" ٢/ ٢٨.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٧٩.
(٣) ذهب الكوفيون وعلى رأسهم الفراء وثعلب -كما ذكر أبو حيان- ومن تبعهم كأبي عبيدة والأخفش والهروي وابن فارس والجرجاني وبعض أصحاب المعاجم كالجوهري وابن منظور والفيروزآبادي إلى أن (إلا) تأتي بمعنى الواو العاطفة، واحتجوا بكثرة مجيئه في كتاب الله وكلام العرب. وذهب البصريون ومن تبعهم كالطبري ومكي القيسي وأبي البركات الأنباري وابن مالك والمالقي والمرادي وابن عقيل وابن القيم إلى أن (إلا) لا تأتي بمعنى الواو، وعللوا صحة ما ذهبوا إليه بأمرين:
أحدهما: أن الأصل أن ينفرد كل حرف بمعنى، ولا يقع حرف بمعنيين؛ لما في ذلك من الاشتراك الملبس، وما صح منه عن العرب يقتصر عليه، ولا يقاس.
الثاني: أن (إلا) للاستثناء، وهو إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجميع، وهو يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر؛ لأن المعنيين متباينان. وأجابوا عما احتج به الكوفيون من الآيات والأبيات بأنها جميعًا محمولة على الاستثناء المنقطع. =

صفحة رقم 561

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية