خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض أي سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبداً، ويدل عليه قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [ إبراهيم : ٤٨ ]، أو يكون عبارة عن التأبيد : كقوله العرب : ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح.
وقوله : إلا ما شاء ربك ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ؛ ما ذكره البقاعي، قال : والذي ظهر لي والله أعلم أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يُظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لاسيما إذا تأمل القطع في مثل قوله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : ٤٨ ]، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله : وَيَغفِر مَا دُونَ ذََلِكَ لِمَن يَشَآءُ جاء هذا الاستثناء معلماً أن الأمر فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جُزم القوم فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبره به، وهذا كما تقول : اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئاً. فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. ه.
وقال الجلال السيوطي، في " البدور السافرة في أمور الآخرة " : اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالاً، أشبهها بالصواب : أنه ليس باستثناء، وإنما " إلا ". بمعنى " سوى " كما تقول : لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي : سوى الألفين، والمعنى : خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض : التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولاً. ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به، والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده : لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. ه. ومثله لابن عطية. قال : ويؤيده هذا التأويل قوله بعدُ : عطاء غير مَجذُوذ أي : غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. ه. وقال الورتجبي : قال ابن عطاء : إلا ما شاء ربك من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. ه. إن ربك فعال لما يريد من غير حجر ولا اعتراض.
قال في نوادر الأصول : الشقاوة : فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير : والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقاً من حرمته مع كثرة السؤال لك.
قال شيخ شيوخنا ـ سيدي عبد الرحمان الفاسي ـ في حاشيته عليه : ومدار السعادة : الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يُتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعندما حل بهذه الحضرة، وظفر بقُرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سُول، ولا فوات مأمول، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك "، " اشْتَاقَتْ الجَنَّةُ إِلى عَليِّ وعَمَّارٍ وسَلمَانَ وصهيب وبلال " كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. " جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل ".
ثم قال : وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة : احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا يَنفَكُّ عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلباً أو دفعاً. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع ؛ لفقده قرةَ عينه وراحة قلبه، لأسْره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى : إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( ١٩ ) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( ٢٠ ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( ٢١ ) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ( ٢٢ ) [ المعارج : ١٩ـ ٢٢ ]، فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجَهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد وَرَدَ :" هُمُ القَوْم لاَ يَشْفَى جَلِيسُهُم " فضلاً عنهم. وعلى الجملة : فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه ـ أي الشاذلي ـ الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضاً، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [ طه : ١٢٣ ].
قال في نوادر الأصول : تَابعُ القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا ؛ لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسَيره في الأمور بقلبه في راحة ؛ لأنه منشرحُ الصدر واسعه، وبدنه في راحة ؛ لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تُهيأ له في يسر ؛ لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي