نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٦:وقوله تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق يظهر أن فيه وصفا لكيفية تنفس الأشقياء في جهنم، وأنه على خلاف ما هو معتاد في تنفس الكائنات الحية، كأن تنفس الأشقياء في جهنم يسبق فيه " الزفير " الذي هو دفع النفس إلى الخارج، على " الشهيق " الذي هو أخذ النفس إلى الداخل، بينما التنفس العادي للكائنات الحية يسبق فيه " الشهيق " الذي يأخذ به الكائن الحي حظه من الهواء المنعش إلى داخل الجسم، على " الزفير " الذي يدفعه الكائن الحي من الداخل إلى الخارج بعد أخذ حاجته منه. وفي هذا الوصف لتنفس الأشقياء في جهنم إشارة إلى ما يعانونه من ضيق واختناق، حتى كأن صدورهم تغلي غليان المرجل، وعلى العكس من ذلك يكون حال السعداء في الجنة وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها أي دون أن يتعرضوا لأي شيء من هذه الأعراض الغريبة.
وقوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض الوارد في سياق كل من السعداء والأشقياء، في تفسيره تأويلان مختلفان :
التأويل الأول : أن المراد خالدين في الجنة أو في النار ما دامت سماوات الآخرة وأرضها لأن الآخرة هي دار الخلود. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء |الزمر : ٧٤|، وإلى هذا التأويل ذهب ابن عباس حيث قال : " لكل جنة سماء وأرض "، والحسن البصري حيث قال : " سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، والخلود في الجنة أو في النار ما دامت تلك السماء وتلك الأرض ". وإلى هذا التأويل مال ابن كثير في تفسيره حيث قال : " قلت : ويحتمل أن المراد بما دامت السماوات والأرض الجنس، لأنه لا بد في عالم الآخرة من سماوات وأرض، كما قال تعالى : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " |إبراهيم : ٤٨| وبه أخذ القاضي عبد الجبار في كتابه " تنزيه القرآن عن المطاعن " إذ قال : " وجوابنا أن للنار سماء وأرضا، وكذلك الجنة، ولا يفنيان، فهذا هو المراد ".
التأويل الثاني : أن المراد هو مجرد التأبيد والدوام، على حد قول العرب : " هذا دائم دوام السماوات والأرض أو باق ما لاح كوكب، وما ناح الحمام ". وإلى هذا التأويل ذهب ابن جرير وابن جزى في تفسيرهما.
وقوله تعالى تعقيبا على وصفه لحال السعداء : عطاء غير مجذوذ أي عطاء غير مقطوع، فيه طمأنينة لقلوبهم، وتطييب لخواطرهم، ورفع لأثر التوهم الذي يشعر به الاستثناء الوارد أيضا في سياق الحديث عنهم إلا ما شاء ربك إذ أن ظاهره يوهم احتمال انقطاع العطاء الإلهي عنهم، حيث أن ذلك العطاء ليس أمرا واجبا على الله، وإنما هو موكول إلى مجرد مشيئته، ومحض منته، ولا يبعد أن تكون الحكمة في هذا الاستثناء بالنسبة للسعداء، هي أن تبقى قلوبهم معلقة بين جناحي الخوف والرجاء.
وقوله تعالى : إلا ما شاء ربك في سياق الكلام على الذين شقوا وارد مورد الاستثناء من قوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ، على غرار قوله تعالى في آية ثانية : قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله |الأنعام : ١٢٨| ويشبهه قوله تعالى في آية ثالثة : ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله |النمل : ٨٧|، وقوله تعالى في آية رابعة : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله |الزمر : ٦٨|.
وقال ابن كثير ما خلاصته : " اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " زاد المسير "، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في كتابه. واختار ابن جرير ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة، وابن سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا أن الاستثناء ( يعني " إلا ما شاء ربك "، الوارد في سياق الحديث عن الأشقياء ) عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيئين والمؤمنين، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها، ولا محيد له عنها ". قال ابن كثير : " وهذا عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة ".
ويمكن حمل الاستثناء الوارد في هذا السياق على طريق التأدب مع الله، كقولك " إن شاء الله " مصداقا لقوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله |الكهف : ٢٣، ٢٤| ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله |الآية : ٤٩|، وقوله تعالى في سورة الأعلى : سنقرئك فلا تنسى، إلا ما شاء الله |الآيتان : ٦، ٧|.
وقوله تعالى تعقيبا على حكمه في شأن الأشقياء : إن ربك فعال لما يريد إشارة إلى أن الإرادة الإلهية نافذة لا يلحقها أي خلل أو أي تعطيل، فقد بعث الله إلى الناس الرسل، وأقام عليهم الحجج، وأنذرهم سوء العاقبة، وها هو يثبت لهم أن الأمر جد لا هزل، وأن قوله قول فصل، إنه لقول فصل، وما هو بالهزل |الطارق : ١٣، ١٤| وبذلك يكون عذابهم مطابقا لمقتضى العدل، ومنسجما مع روح الحكمة.
وذهب الضحاك والحسن البصري إلى أن الاستثناء في قوله تعالى : إلا ما شاء ربك الوارد في سياق السعداء هو منصب على عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها بعد العذاب، إذ أن هؤلاء لا يصدق عليهم ما يصدق على السعداء الأصليين الذين لم يروا العذاب أصلا، من أنهم في الجنة خالدون، لأن عصاة الموحدين يمرون بالعذاب الأليم أولا، ولا ينالهم عفو الله إلا أخيرا.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري