ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ ( ١ ) نَفْسٌ إلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ ١٠٥ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وشَهِيقٌ ( ٢ ) ١٠٦ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاواتُ والأَرْضُ إلاّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ١٠٧ وأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ إلاّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( ٣ ) ١٠٨ [ ١٠٥ ـ ١٠٨ ].
والآيات استمرار بياني للآيات السابقة، فحينما يأتي ذلك اليوم يخشع الناس ويسكتون تهيبا من الموقف، ولن يستطيع أحد أن يتكلم إلاّ بإذن الله، والناس في ذلك اليوم صنفان أشقياء وسعداء. فالأولون يلقون في النار، حيث يقاسمون من البلاء أشده ويخلدون فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء الله الفعّال لما يريد. وأما الآخرون فينزلون في الجنة ويخلدون فيها ويتمتعون بنعم الله التي لا تنقطع ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء الله كذلك.
وفي الآيات ما يثير الرعب والخوف في قلوب الكفار والطمأنينة والغبطة في قلوب المؤمنين وهو ما استهدفته في جملة ما استهدفته على ما هو المتبادر.
تعليق على جملة
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ إلاّ مَا شَاء رَبُّكَ
وقد تعددت أقوال المفسرين ورواياتهم١ في تأويل جملة مَا دَامَتِ السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ إلاّ مَا شَاء رَبُّكَ فقالوا فيما قالوه : إن الاستثناء الأول عائد إلى مذنبي المؤمنين الذين سوف يخرجون أخيرا من النار ويدخلون الجنة وقالوا إن الاستثناء هو في صدد زيادة أنواع العذاب والنعيم وقالوا : إنه على طريقة قول العرب :" ما لاح كوكب " و " ما أقام ثبير " و " مادامت السماء سماء والأرض أرضا " ويريدون بذلك التأبيد، والقول الأخير يعني أن التعبير أسلوبي مما اعتاد العرب استعماله وهم يقصدون التأبيد. وهو قول وردت فيها جملة خالدين فيها بالنسبة لأهل الجنة وأهل النار بدون قيد إلاّ ما شاء ربك وهناك حديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر جاء فيه :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت فيوقف على السور الذي بين الجنة والنار ثم يقال : يا أهل الجنة فيطلعون خائفين. ثم يقال : يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لهم : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون قد عرفناه وهو الموت الذي وكل بنا، فيضجع فيذبح على السور ثم يقال : يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت " ٢. ومع واجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخبار المشاهد الأخروية فإن في الحديث من جهة توكيدا للخلود الأبدي في النار والجنة لمن استحقه حسب تخاطب ومؤيد لما تفيده العبارة التي جاءت كأسلوب تعبيري عن التأبيد حسب تخاطب العرب. ومن الحكمة المستشفة من قصد الترهيب للكفار والبشرى للمؤمنين.
ومع ذلك فقد يتبادر أيضا أن التعبير من الأساليب التي جرى عليها الوحي القرآني في كثير من الآيات، حيث يقرن الأمر بمشيئة الله تعالى إعلانا بأن كل شيء وأمر منوط بأمره وإذنه ومشيئته. وأنه لا ضرورة ولا طائل من التخمين وإطالة الكلام في العبارة ومداها كما فعل بعضهم ٣ وتفويض الأمر في حكمة مداها لله عز وجل مع ملاحظة كون الهدف الجوهري للآيات هو إنذار الكفار السامعين ومن بعدهم ليرعووا ويتوبوا وتبشير المؤمنين السامعين ومن بعدهم ليغتبطوا ويثبتوا والله أعلم.
تعليق على جملة فمنهم شقي وسعيد
روى الطبري في سياق هذه الجملة حديثا عن عمر بن الخطاب رواه أيضا البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي جاء فيه :" قال عمر أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما فُرغ منه ؟ فقال : فيما فرغ منه يا ابن الخطاب، كلّ ميسّر أما من كان من أهل السعادة فإنه يعملُ للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعملُ للشقاء " ٤. وروى البغوي حديثا عن علي بن أبي طالب رواه أيضا مسلم والترمذي جاء فيه :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال : ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار. قالوا : يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل ؟ قال : اعملوا فكل ميسّر لما خلق له. ثم قرأ : فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ الآيتين في سورة الليل " ٥.
ولسنا نرى في هذين الحديثين ما يوهم أن الله قد كتب الشقاء والسعادة من الأزل على أناس بأعيانهم وبصورة اعتباطية تنزّه عن ذلك، بل فيهما ما يمكن أن يفيد أن ذلك منوط بسلوكهم. وكل ما يمكن أن يكون بالإضافة إلى ذلك أن الله سبحانه يعلم الذين يسلكون سبيل الشقاء فيستحقون النار والذين يسلكون سبيل السعادة فيستحقون الجنة. أما من باب وما يضل به إلاّ الفاسقين البقرة [ ٢٦ ] و ويهدي إليه من أناب الرعد :[ ٢٧ ] وهذا هو المتسق مع المبادئ القرآنية المحكمة على ما شرحناه في مناسبات سابقة. على أن في آيات سورة الليل التي قرأها رسول الله على ما جاء في الحديث الثاني قرينة حاسمة بالحسنى تنسب الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى والبخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى لفاعلي ذلك وترتب تيسير الله للأولين للحسنى وتيسير الآخرين للعسرى على ذلك. وهذا أيضا وارد في بقية آيات سورة الليل التي تأتي بعد الآيتين.
تعليق على جملة لا تكلم نفس إلاّ بإذنه
وقد وقف بعض المفسرين٦ إزاء تعبير لا تكلم نفس إلاّ بإذنه لأن هناك آيات جاء فيها ما قدم يوهم نقض ذلك مثل آية سورة النحل هذه : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ و َهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ١١١ ومثل آيات سورة ص هذه : هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ٥٩ قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ٦٠ قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ٦١ وقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ ٦٢ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ٦٣ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ٦٤ .
ومما ذكره الزمخشري في رفع الإشكال أن ذلك اليوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم. وهذه التخريجات وجيهة وكل الصور المذكورة وتتكلم أيديهم آيات قرآنية أخرى مرّت أمثلة منها في السور التي سبق تفسيرها.
على أننا لا نرى إشكالا من جهة التعبير لورود جملة إلاّ بإذنه لأن جملة إلاّ بإذنه تحل كل إشكال. ومع ذلك فإننا لا نرى المقام يستدعي الإشكال في أصله. ونرى أن التعبير أسلوبي قصد به تصوير شدة الهول الأخروي وأثره. ويمكن أن يقال أيضا بالإضافة إلى واجب المسلم بالإيمان بما ذكره القرآن من مشاهد أخروية : إن تنوع الأسلوب القرآني في أوصاف مشاهد الآخرة وحسابها وعذابها ونعيمها متأتّ من تنوع المشاهد والمواقف بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار أولا، وأنه يمكن أن يكون قرينة على ما ذكرناه في مناسبات سابقة من أن الترهيب والترغيب مقصودان لذاتهما في الآيات القرآنية ثانيا. ولعل من القرائن على ذلك كون الأوصاف والصور والمشاهد الأخروية الواردة في القرآن هي في نطاق مألوف السامعين من مشاهد وصور وأوصاف دنيوية تتصل بالنعيم والعذاب ومجالس القضاء الخ حتى يكون لها تأثير في السامعين الذين لا يتأثرون إلاّ بما هو معروف ومجرب عندهم ولا يفهمون إلاّ ما هو في نطاق معارفهم. هذا مع تكرار تقرير كون الحياة الأخروية من المسائل الإيمانية الغيبية التي يجب الإيمان بما جاء عنها في القرآن مع الوقوف في ذلك عندما وقف القرآن بدون تزيد ولا تخمين. مع تكرار القول أيضا إن آيات المشاهد الأخروية من المتشابهات التي تتحمل تأويلات عديدة، ومنها ما لا يعلم تأويله إلاّ الله، وأن هذا يوجب كذلك الوقوف عندما وقف القرآن مع استشفاف الحكمة التي يتبادر أن منها ما مر ذكره والله أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير