ويواصل الحق سبحانه وتعالى وصف ما يتلقاه أهل الشقاء في النار، فيقول سبحانه :
خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال١ لما يريد ( ١٠٧ ) :
وكلمة " الخلود " تفيد المكث طويلا ؛ مكوثا له ابتداء ولا نهاية له ؛ وإذا أبّد فهو تأكيد للخلود.
والذين شقوا إنما يدخلون النار ؛ بدءا من لحظة : يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه.. ( ١٠٥ ) [ هود ] : وهو عذاب لا نهاية له بالنسبة للكافرين.
وأما عذاب المسلم العاصي على ما ارتكب من آثام ؛ فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن تنتهي فترة عذابه المناسبة لمعاصيه ؛ ويدخل الجنة من بعد ذلك٢.
ولهذا قال الحق سبحانه : إلا ما شاء ربك... ( ١٠٧ ) [ هود ] : وهكذا ينقص الحق سبحانه الخلود في النار بالنسبة لأنصاف المؤمنين، فالحق سبحانه .. فعال لما يريد ( ١٠٧ ) : ولا يحكمه أي شيء.
وإياكم أن تظنون أن قدر الله يحكمه ؛ فالقدر فعله، ولا أحد يسأل الله سبحانه عما يفعل، لأن ذات الله هي الفاعلة ؛ فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاص في النار ؛ فالنقص يكون في النهاية ؛ وبذلك يتحقق أيضا نقص خلوده في الجنة، لأنه لا يدخلها إلا بعد أن يستوفي عقابه.
وبهذا التصور ينتهي الإشكال الذي اختلف حوله مائة وخمسون عالما ؛ فقد ظن بعضهم أن الحق سبحانه يغلق أبواب النار على من أدخلهم إياها، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية، وكذلك من دخل الجنة من البداية سيظل فيها أبدا، ولن يلحق الله أصحاب الكبائر بالجنة، ومن قال بذلك الرأي إنما يسوي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بالله، وهذا أمر غير متصور، وهو بعيد عن رحمة الله.
وإذا كان هذا البعض من العلماء قد استدل على رأيه بالآية الكريمة التي جاءت في سورة الجن، والتي يقول فيها الحق سبحانه : إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ( ٢٣ ) [ الجن ].
فنحن نقول : إن الحق سبحانه يربب لطفه للكافر حتى يؤمن، وللعاصي حتى يتوب، وهذا من رحمة الله سبحانه، فتأبيد الخلود في العذاب لم يرد إلا في آيتين٣، وهذا دليل على عظيم رحمة الله وسعة عفوه سبحانه.
ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه رحمة الله للعالمين، وكلمة " العالمين : جمع " عالم " والعالم هو ما سوى الله تعالى.
ولذلك هناك رحمة للكافر ؛ هي عطاء الله له في الدنيا.
وهكذا نعلم أن الله سبحانه هو الذي يملك نواميس الكون، ولم يتركها تفعل وحدها، بل يزاول سبحانه سلطانه عليها، وما دام القدر هو فعله سبحانه ؛ فهو يغير فيه كما يشاء.
فهو سبحانه رب الزمان والمكان والحركة، ومادام هو رب كل شيء فإنه فعال لما يريد، وهنا تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته.
وقول الحق سبحانه : مادامت السماوات والأرض.. ( ١٠٧ ) [ هود ] : نفهم منه أن الجنة أو النار لا بد أن يوجد لهما ما يعلوهما ويظللهما، ولا بد أن يوجدا فوق أرض ما.
وإذ قال قائل : إن الحق سبحانه قد ذكر في القرآن أن السماء سوف تمور٤ وتنفطر٥.
نقول ردا عليه : لا تأخذ آية في القرآن إلا بضميمه٦ مثيلاتها.
ولذلك قال الحق سبحانه : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات٧... ( ٤٨ ) [ إبراهيم ].
والحق سبحانه يورث أرض الجنة لمن يشاء ؛ لأنه سبحانه هو القائل على لسان المؤمنين يوم القيامة : وأورثنا الأرض نتبوأ٨ من الجنة حيث نشاء.. ( ٧٤ ) [ الزمر ] : أو لأن الإنسان له أغيار، وما حوله له أغيار.
ومن العجيب أن الإنسان المخدوم بالمادة الجامدة ؛ وبالنبت النامي ؛ وبالحيوان الذي يحس ويتحرك ؛ هذا الإنسان قد يكون أطول عمرا من بعض المخلوقات المسخرة لخدمته ؛ لكنه أقل عمرا من الشمس ومن القمر.
لكن الحق سبحانه هنا يصور عمر الإنسان في الآخرة ؛ فكأنه سبحانه يعطي الأمد على أطول ما عرفنا من الأعمار ؛ ولذلك قال سبحانه : ما دامت السماوات والأرض.. ( ١٠٧ ) [ هود ] : وإذا علق الله سبحانه شيئا على شيء، فلا بد أن يوجد هذا التعليق.
والحق سبحانه يتكلم عن أهل النار من الكفار، فيقول تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط٩.. ( ٤١ ) [ الأعراف ] : فهل سيلج الجمل في سم الخياط ؟ إن ذلك محال.
ولذلك أقول : فلنأخذ التعليقات في نطاق أنه سبحانه : .. فعال لما يريد ( ١٠٧ ) [ هود ].
وقد جاء في الكتاب قول سيدنا عيسى عليه السلام :
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( ١١٨ ) [ المائدة ]
فكان مقتضى السياق أن يقول سبحانه : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم.
وهذه نظرة سطحية لمدلولات القرآن، بعقول البشر، أما ببلاغة الحق سبحانه فيكون الأمر مخالفا، فأمر التعذيب أو الغفران موكول لله سبحانه بيده وحده، وليس لأحد أن يسأله لم فعل هذا ؟ ولم ترك هذا ؟
لذلك كان هذا هو معنى العزة ؛ ولذلك كان سبحانه عزيزا، وهو سبحانه أيضا حكيم في أي أمر يحكم فيه سواء أكان بالتعذيب أو المغفرة.
لذلك جاء سبحانه بالخاتمة التي تثبت للحق سبحانه التعذيب أو المغفرة.
ففي تعذيب الكافرين قال سبحانه فعال لما يريد ( ١٠٧ ) . وفي الكلام عن الطائعين الذين أدخلوا الجنة قال سبحانه :
وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادمت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ١٠ ( ١٠٨ ) :
٢ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسا أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن لهم في الشفاعة فيجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحية تكون في حميل السيل). أخرجه مسلم في صحيحه حديث (١٨٥)، وأحمد في مسنده (٣/ ٥، ١١]..
٣ - وذلك في قوله تعالى: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (٦٤) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (٦٥) [الأحزاب] وكذلك في سورة الجن: .. ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا..(٢٣) [الجن]..
٤ - مار الشيء يمور مورا: تحرك وذهب وجاء في سرعة. قال تعالى: يوم تمور السماء مورا (٩) [الطور] [القاموس القويم مادة [مور]]..
٥ - يتفطر الشيء وينفطر: يتشقق قال تعالى: إذا السماء انفطرت (١) [الانفطار] أي: انشقت يوم القيامة، وقوله تعالى: تكاد السماء يتفطرن منه..(٩٠) [مريم] أي: يتشققن من هول كفرهم وادعائهم أن لله ولدا- كما يفهم من قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمان ولدا (٨٨) لقد جئتم شيئا إذا (٨٩) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا (٩٠) [مريم]. [القاموس القويم: مادة [فطر] بتصرف..
٦ - الضميم: المضموم إلى غيره. [المعجم الوسيط: مادة [ضمم]]. والمراد ضم الآيات المتماثلة وفهمها فهما شاملا..
٧ - بدل الشيء: غيره. وبدل الكلام: غيره أو حرفه بحيث يؤدي معنى غير المراد منه، قال تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم..(٥٩) [البقرة] أي: غيروه بكلام آخر، أو حرفوه ليؤدي معنى آخر غير المراد منه، وقوله تعالى: ثم بدل حسنا بعد سوء..(١١) [النمل] أي: عمل الخير والحسن بعد عمل السوء. وقال تعالى: .. وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (٢٨) [الإنسان] أي: جعلناهم بدلا منهم، كقوله تعالى: .. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (١٩) [إبراهيم] [القاموس القويم: مادة [بدل]]..
٨ - بوأه: أسكنه، وبوأه في الأرض، مكن له فيها، قال تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...(٢٦) [الحج] أي: هيأناه له ومكناه منه. وقال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: يتبوأ منها حيث يشاء..(٥٦) [يوسف] أي: ينزل في أي مكان يريده من أرض مصر، وهذا كناية عن اتساع جاهه [القاموس القويم: مادة [ب و أ ]] بتصرف..
٩ - السم- مثلثة السين- الثقب الضيق، قال تعالى: حتى يلج الجمل في سم الخياط..(٤٠) [الأعراف] أي: ثقب الإبرة [القاموس القويم: مادة [س م م ]]..
١٠ - جذ الشيء، يجذه جذا: قطعه أو كسره، أو فتته. والجذاذ: القطع المكسرة المفتتة والحطام. قال تعالى: فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم.. (٥٨) [الأنبياء] والمجذوذ: المقطوع، قال تعالى: .. عطاء غير مجذوذ (١٠٨) [هود] أي: أنه عطاء دائم غير مقطوع. [القاموس القويم: مداة [جذذ]]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي