ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ( ١١٢ ) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ( ١١٣ )
هذا السياق تفصيل للأوامر والنواهي التي هي ثمرة الاعتبار بما كان من سيرة الأمم مع الرسل : من جحدوا فأهلكوا، ومن آمنوا ثم اختلفوا وتفرقوا، فمن جمع بين هذا الأمر والنهي كمل إيمانه، وما بعدهما تفضيل لهما.
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا أي ولا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين ولا من غيرهم فتجعلوهم ركنا لكم تعتمدون عليهم فتقرونهم على ظلمهم، وتوالونهم في سياستكم الحربية أو أعمالكم الملية. فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، فالركون من ركن البناء، وهو الجانب القوي منه، ومنه قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد [ هود : ٨٠ ]، والسند بمعنى الركن، وقد اشتق منه سند إلى الشيء [ كركن إليه ]، واستند إليه، وفسره الفيروزأبادي في قاموسه بالتبع للجوهري بالميل إلى الشيء والسكون له، وهو تفسير بالأعم كعادتهم، وفسره الزمخشري بالميل اليسير، وتبعه البيضاوي وغيره من المفسرين الذين يعتمدون عليه في تحريره للمعاني اللغوية، لدقة فهمه، وذوقه، وحسن تعبيره، وإنه لكذلك، وقلما يخطئ في اللغة إلا متحرفا إلى شيوخ المذهب [ المعتزلة ]، أو متحيزا إلى فئة رواة المأثور من الصحابة والتابعين، أو نقلة اللغة، وشيوخ المذهب يخطئون في الاجتهاد، وفئة الروايات تخطئ في اعتماد الأسانيد الضعيفة والإسرائيليات، ورواة اللغة يفسرون اللفظ أحيانا بما هو أعم منه، أو بلازمه، أو بغير ذلك من قرائن المجاز في بعض كلام العرب، ولا يعنون أن ذلك هو حد اللفظ بحقيقته، وقد فسر الركون بعضهم بالميل والسكون إلى الشيء، وهو من تساهلهم، ولكنهم قد ذكروا في مادته ما يدل على هذا التساهل ويؤيد ما حققناه.
قال في القاموس المحيط تبعا للصحاح : ركن إليه – كنصر- ركونا : مال وسكن، والركن بالضم الجانب الأقوى. [ زاد الجوهري : من كل شيء ]، والأمر العظيم، والعز والمنعة اه، ومثله في لسان العرب وذكر الآية، وأن الركون فيها من مال إلى الشيء واطمأن إليه، والاطمئنان أقوى من السكون، وفسره في المصباح المنير بالاعتماد على الشيء، وهو أقوى من الاطمئنان، والمعاني الأربعة أي الميل والسكون والاطمئنان والاعتماد من لوازم معنى الركون، ولا تحيط بحقيقته، وأقواها آخرها.
قال في اللسان كغيره : وركن الشيء جانبه الأقوى، والركن الناحية القوية، وما تقوى به من ملك وجند وغيره، وبه فسر قوله تعالى : فتولى بركنه [ الذاريات : ٣٩ ]، ودليل ذلك قوله تعالى : فأخذناه وجنوده [ القصص : ٤٠ ] أي أخذناه وركنه الذي تولى به الخ ما قال، وهو يدل على ما حققاه في معنى الركون الحقيقي، وإنما عنيت بتحقيقه لما جاءوا به تفسيره وتفسير الظلم المطلق المعاقب عليه من التشديد الذي لا ترضاه الآية، كما فعلوا في تفسير الاستقامة، إذا تجاوزوا بهما سماحة دين الفطرة ويسر الحنيفية السمحة، فإن الله تعالى جعل دينه يسرا لا عسر فيه، وسمحا لا حرج على متبعيه.
فسر الزمخشري الذين ظلموا بقوله : أي إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين، وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال : هذا فيمن ركن إلى ظلم، فكيف بالظالم ؟ اه. ومعنى هذا أن الوعيد في الآية يشمل مَن مال ميلا يسيرا إلى من وقع منه ظلم قليل، أي ظلم كان، وهذا غلط أيضا، وإنما المراد بالذين ظلموا في الآية فريق الظالمين من أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردوهم عنه، فهم كالذين كفروا في الآيات الكثيرة التي يراد بها فريق الكافرين، لا كل فرد من الناس وقع منه كفر في الماضي، وحسبك منها قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [ البقرة : ٦ ]، والمخاطبون بالنهي هم المخاطبون بالآية السابقة بقوله فاستقم كما أمرت ومن تاب معك [ هود : ١١٢ ]، وقد عبر عن هؤلاء الأعداء المشركين بالذين ظلموا كما عبر عن أقوام الرسل الأولين في قصصهم من هذه السورة في الآيات [ ٢٧، ٦٧ و٩٤ ]، وعبر عنهم فيها بالظالمين أيضا كقوله : وقيل بعدا للقوم الظالمين [ هود : ٤٤ ]، فلا فرق في هذه الآيات بين التعبير بالوصف والتعبير بالذين وصلته، فإنهما في الكلام عن الأقوام بمعنى واحد.
فقوله تعالى : فتمسكم النار معناه فتصيبكم النار التي هي جزاء الظالمين، بسبب ركونكم إليهم بولايتهم، والاعتزاز بهم، والاعتماد عليهم في شؤونكم الملية ؛ لأن الركون إلى الظلم وأهله ظلم ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [ المائدة : ٥١ ]، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسر الظلم هنا بالشرك، والذين ظلموا بالمشركين ؛ إذ السورة مكية، ولم يكن في مكة وما حولها غير المشركين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا المؤمنين، ومعنى الآية عام في موضوعها، فولاية أهل الكتاب على المؤمنين كولاية المشركين، لا خلاف في هذا، وهو منصوص، ولكن قال بعض المفسرين : إن الآية عامة في كل نوع من أنواع الظلم، فيشمل ظلم المسلمين لأنفسهم في أحكامهم وأعمالهم، وسيأتي بيانه بعد تمام تفسيرها الذي نفهمه من مدلول ألفاظها وسياقها وحال المخاطبين بها مع الظالمين لهم في عصرهم، ويدل على ما حققناه قوله تعالى :
وما لكم من دون الله من أولياء أي وما لكم في هذه الحال التي تركنون إليهم فيها غير الله من أنصار يتولونكم.
ثم لا تنصرون بسبب من الأسباب، ولا بنصر الله تعالى، فإن الذين يركنون إلى الظالمين يكونون منهم، وهو لا ينصر الظالمين، كما قال وما للظالمين من أنصار [ البقرة : ٢٧٠ ] ؛ بل تكون غايتكم الحرمان مما وعد الله رسله، ومن ينصره من المؤمنين من نصره الخاص، فالتعبير ب( ثم ) للدلالة على الغاية والعاقبة المقدرة لهم إن ركنوا إلى أعدائه وأعدائهم الظالمين. وقال الزمخشري ومن تبعه : إنها دالة على استبعاد نصرهم في هذه الحالة ؛ لأن حكمة الله اقتضت عقابهم بالنار، وما قلته أقرب ولله الحمد والمنة.
وفي معنى الآية ما ورد من الآيات الكثيرة في النهي عن ولاية الكفار واتخاذ وليجة من دون الله ورسوله منهم، وعن اتخاذ المؤمنين بطانة من دونهم، وقد اتخذ المشركون وسائل كثيرة لاستمالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الركون إليهم، فعصمه الله من ذلك بعد أن كاد يرجح له اجتهاده أن في بعض ذلك مصلحة واستمالة لهم إلى الإيمان، وذلك قوله تعالى : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا [ الإسراء : ٧٤، ٧٥ ]، يعني لولا أن ثبتناك بالعصمة لقاربت أن تركن إليهم شيئا قليلا من الركون، كأن تصدقهم أنهم أهل لأن يعتمد عليهم بعض الاعتماد، إذا أقبلت عليهم وأعرضت عن فقراء المؤمنين لاستمالتهم كما فعلت مع الأعمى، ولكن تثبيتنا إياك عَصَمَك من مقاربة أقل الركون إليهم، فضلا عن مقارفة هذا الأقل، فالآية الأولى نص في أنه صلى الله عليه وسلم ما ركن أقل الركون ولا قارب أن يركن، والآية الثانية نص في أنه لو فعل ذلك [ فرضا ] لعاقبه الله عقابا مضاعفا في الحياة والممات معا، وهذه مبالغة في الزجر والوعيد لغيره صلى الله عليه وسلم على الركون إليهم لا تصل بلاغة الكلام البشري إلى مبادئها فضلا عن أوساطها أو غاياتها.
ولو كان معنى الركون في اللغة الميل اليسير مهما يكن نوعه -كما زعم الزمخشري ومقلدوه - لكان هذا الوعيد الشديد على قليل منه على قلته في نفسه مما لا يمكن أن تراد به حقيقته، لأنه أشد الوعيد على ما لا يستطيع بشر اتقاءه إلا بعصمة خاصة من الله تعالى، كما سترى في تفسيرهم له، أما والحق ما قلناه، وهو أن الركون إلى الشخص أو الشيء هو الاعتماد عليه، والاستناد إليه، وجعله ركنا شديدا للراكن، فأجدر بقليله أن يتعذر اجتنابه على أكمل البشر إلا بالعصمة والتثبيت الخاص من الله عز وجل، فكيف ينهى جميع المؤمنين عن الميل اليسير إلى من وقع منه أي نوع من الظلم ؟
لم يكن ميل النفس الطبعي من المؤمنين إلا أولادهم وأرحامهم المشركين الظالمين، ولا البر بهم والإحسان إليهم محظورا عليهم، لأنه ليس من الركون إليهم الخاص بالولاية لهم والاعتماد عليهم، وهو المنهي عنه، ولا من الميل إليهم لأجل الظلم، ولما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعلته التي هي أقرب إلى الولاية الحربية منها إلى صلة الرحم- كما تأولها - أنزل الله تعالى سورة الممتحنة التي نهى فيها عن ولاية المشركين الظالمين المقاتلين في الدين والمودة فيها، وقال ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون [ التوبة : ٢٣ ]، وأذن بالبر والقسط لغيرهم منهم، ولا تنس ما ورد في الصحيح من نزول قوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت [ القصص : ٥٦ ] في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إسلام عمه أبي طالب الذي كفله في صغره، وكان يحميه ويناضل عنه في نوبته، واذكر قول السيدة خديجة رضي الله عنها له في حديث بدء الوحي : كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل١الخ.
بل لم تكن الثقة ببعض المشركين والاعتماد عليهم في أهم الأعمال من الركون المنهي عنه، فقد وثق النبي صلى الله عليه وسلم والصديق الأكبر رضي الله عنه بمشرك من بني الديل، وائتمناه على الراحلتين اللتين هاجرا عليهما، ليوافيهما بهما في الغار بعد ثلاث، وكان المشركون الظالمون يبحثون عنهما، وقد جعلوا لمن يدلهم عليهما قدر ديتهما، واختلف أئمة العلم في استعانة المسلمين بالكافر في الحرب لتعارض الأحاديث فيها، وجمع الحافظ بينها في التلخيص بقوله : إن الاستعانة كانت ممنوعة، ثم رخص فيها. قال الشوكاني : وهذا أقربها، وعليه نص الشافعي اه. ولا شك أنهم لم يعدوها من الركون إليهم.
ومن مباحث القراءات اللفظية أن بعضهم قرأ [ تركُنوا ] بضم الكاف، وهي لغة قيس وتميم ونجد. وبعضهم قرأها وقرأ ( تمسكم ) بكسر تائهما وهي لغة تميم.
نموذج من قصور أقوال
المفسرين وغلطهم وتقليدهم في تفسير الآية
الروايات المأثورة والمعتمدون عليها.
١-روى الإمام ابن جرير المتوفى سنة ٣١٠ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسر الآية بالركون إلى الشرك- [ وهو أقوى ما روي فيها ]- وروى عنه تفسيره بالميل، وإنه قال : لا تميلوا إلى الذين ظلموا. وروى عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم :[ ولا تركنوا ] لا تذهبوا، وهو ليس تفسيرا بالمعنى اللغوي، ولا يظهر المراد الشرعي منه إلا بقرينة ما قبله - إن جمع بينهما بإرادة المشركين الظالمين للمؤمنين-، وروي عن عكرمة أنه فسر الركون بالطاعة أو المودة أو الاصطناع، وعن أبي العالية قال : لا ترضوا أعمالهم- [ وهو تفسير بأحد اللوازم البعيدة ] -وعن الحسن قال : خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهما من أمره : الطغيان في النعمة، والركون إلى الظلم، ثم تلا الآية، وهذا من فقه الآيتين، لا تفسيرا لهما، وعن قتادة قال : يعني لا تلحقوا بالشرك وهو الذي خرجتم منه. وأخذ ابن جرير خلاصة هذه الروايات فقال في تفسير الآية : ولا تميلوا أيها الناس إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم، وترضوا عن أعمالهم، فتمسكم النار بفعلكم الخ.
وما قاله ورواه حق في نفسه، ولكنه لا يحيط بمعنى الآية، وما كانت تلك الروايات إلا كلمات مجملة وجيزة ذكرت بالمناسبة، لا بقصد تحقيق معنى الآية في لغتها وأسلوبها وموقعها من العبرة بقصص الرسل مع أقوامهم الظالمين، وقال مثله كل من البغوي وابن كثير، فإنهما يعتمدان على المأثور، قل أو كثر.
٢

١ - أخرجه البخاري في بدء الوحي باب٣، وتفسير سورة ٩٦، باب١، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٢، وأحمد في المسند ٦/ ٢٢٣، ٢٣٣..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير