ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولا تركنوا١ إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ( ١١٣ ) :
والكافرون- كما نعلم- قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، وأن يعبدوا هم الله سنة، ولكن الحق سبحانه قطع وفصل في هذا الأمر.
ويأتي هنا توكيد هذا الأمر ؛ فيقول سبحانه : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا٢.. ( ١١٣ ) [ هود ] : والركون هو الميل والسكون والمودة والرحمة، وأنت إذا ركنت للظالم ؛ أدخلت في نفسه أن لقوته شأنا في دعوتك.
والركون أيضا يعني : المجاملة، وإعانة هذا الظالم على ظلمه، وأن تزين للناس ما فعله هذا الظالم.
وآفة الدنيا هي الركون للظالمين ؛ لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم، والاستشراء فيه، وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب الركون إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم ؛ وأن تزين للناس هذا الظلم.
وأنت إذا استقرأت وضع الظلم في العالم كله لوجدت أن آفات المجتمعات الإنسانية إنما تنشأ من الركون إلى الظالم ؛ لكنك حين تبتعد عن الظالم، وتقاطعه أنت ومن معك ؛ فلسوف يظن أنك لم تعرض عنه إلا لأنك واثق بركن شديد آخر ؛ فيتزلزل في نفسه ؛ حاسبا حساب القوة التي تركن إليها ؛ وفي هذا إضعاف لنفوذه ؛ وفي هذا عزلة له وردع ؛ لعله يرتدع عن ظلمه.
والركون للظالم إنما يجعل الإنسان عرضة لأن تمسه النار بقدر آثار هذا الركون ؛ لأن الحق سبحانه يقول : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم٣ النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ( ١١٣ ) [ هود ].
فأنتم حين تركنون إلى ظالم إنما تقعون في عداء مع منهج الله ؛ فيتخلى الله عنكم ولا ينصركم أحد ؛ لأنه لا ولي ولا ناصر إلا الله تعالى.

١ - ركن يركن ركنا وركونا. مال إليه وسكن، وركن الشيء: جانبه الأقوى. قال تعالى: .. أو آوي إلى ركن شديد (٨٠) [هود] أي: ألجأ إلى حصن قوي يحميني، أو إلى رجل قوي يحميني وينصرني عليكم، كأنه ركن ممتنع حصين، وقال تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار..(١١٣)] [هود] أي: لا تميلوا إليهم وتعتمدوا عليهم. وقال تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (٧٤) [الإسراء] أي: تميل إليهم [القاموس القويم: مادة [ركن]]..
٢ - الظلم: مجاوزة الحد ومفارقة الحق أو هضمه وانتقاصه، وهو ضد العدل، قال تعالى: وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (١١٨) [النحل] والظالم اسم فاعل يقول الحق: وهو ظالم لنفسه...(٣٥) [الكهف]، والظلام صيغة مبالغة يقول الحق: إن الإنسان لظلوم كفار (٣٤) [إبراهيم] وظلام صيغة مبالغة يقول الحق: وما أنا بظلام للعبيد (٢٩) [ق]، ومظلوم اسم مفعول يقول الحق: ومن قتل مظلوما..(٣٣) [الإسراء] [القاموس القويم١/٤١٦، ٤١٧]..
٣ - مسه يمسه مسا: أجرى يده عليه من غير حائل.
ومسته النار: أصابته، وباشرت جلده، فآذته.
ومسه المرض- على المجاز- أصابه قال تعالى: .. وإذا مسه الشر كان يئوسا (٨٣) [الإسراء] [القاموس القويم: مادة [مس]]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير