ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ١١٢ ) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ( هود : ١١٢-١١٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في وعدهم ووعيدهم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن تاب معه بالاستقامة وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل والأخلاق الفاضلة.
الإيضاح :
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون الركون إلى الشيء : الاعتماد عليه، وركن الشيء : جانبه الأقوى، وما تتقوى به من ملك وجند وغيره ومنه قوله تعالى : فتولى بركنه ( الذاريات : ٣٩ ) والمراد من الظالمين هنا أعداء المؤمنين الذين يؤذونهم ويفتنونهم عن دينهم من المشركين ليردّوهم عنه، فهم بمعنى الذين كفروا في الآيات الكثيرة، وتمسكهم النار، أي تصيبكم أي لا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين ولا من غيرهم فتجمعوهم ركنا لكم تعتمدون عليه فتقروهم على ظلمهم وتوالوهم في شؤونكم الحربية وأعمالكم الدينية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض.
وخلاصة ذلك : لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم رضيتم عن أعمالهم، فإن فعلتم ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين بسبب ركونكم إليهم والاعتزاز بهم والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله ظلم ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( المائدة : ٥١ ).
وليس لكم في هذه الحال التي تركنون فيها إليهم غير الله وليّا ينقذكم ويخلصكم من عذابه، ثم لا تنصرون : أي لا ينصركم الله لأن الذين يركنون إلى الظالمين يكونون منهم وهو لا ينصر الظالمين كما قال : وما للظالمين من أنصار ( البقرة : ٢٧٠ ) بل تكون عاقبتكم الحرمان مما وعد الله رسله ومن ينصره من المؤمنين.
والخلاصة : إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الاعتماد على أعداء المؤمنين الذين يفتنونهم ويصدونهم عن دينهم، ويؤيده ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسر الظلم هنا بالشرك، والذين ظلموا بالمشركين، وقيل إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ومن ابتلى بمخالطة الظلمة فليزن أقوالهم وأفعالهم بميزان الشرع، فإن زاغوا عن ذلك فعلى أنفسهم قد جَنْوَا، وطاعتهم واجبة على كل من دخل تحت أمرهم ونهيهم في كل ما يأمرون به ما لم يكن في معصية الله، فمن أمروه أن يدخل في شيء من الأعمال التي وكلها إليهم كالمناصب الدينية ونحوها فليدخل فيه إذا وثق من نفسه القدرة على القيام به، إلى أنه يجب الأخذ على أيدي الظالمين عامة وعلى أئمة الجور والأمراء خاصة، ويجب تغيير المنكر أولا باليد فإن لم يستطع ذلك فباللسان، وإلا فبالقلب، وذلك أضعف الإيمان، روى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي بكر أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم حتى أتى على آخر الآية : ألا وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقابه ، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير