قوله تعالى : وأقم الصلاة .
لم يختلف أحد بأنه يراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة. واختلف في صلاة طرفي النهار والزلف من الليل ما هي ؟ فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد ١ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المغرب والعشاء هما زلفتا الليل. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر بمذكورة في ٢ الآية على هذا القول، وإلى نحو هذا ٣ ذهب الحسن وغيره ٤. وقيل الطرف الأول الصبح والثاني المغرب والزلف العشاء وليست الظهر والعصر في الآية، وإليه ذهب ابن عباس وروي عن الحسن أيضا ٥. وقيل الطرف الأول الظهر والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء والصبح. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وهو الظاهر من الآية ٦ ورجح بعضهم القول الأول وقال حمل الآية على الصلوات الخمس أولى ٧.
وقوله : إن الحسنات يذهبن السيئات :
اختلف في الحسنات ما هي ؟ فذهب الجمهور إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس، وإلى هذا ذهب عثمان في الآية ٨ عند وضوئه على المقاعد وهو الذي ٩ تأول ذلك ١٠ وقيل الحسنات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ١١. والأظهر أن يحمل لفظ الحسنات على عمومه. وأما السيئات فلا خلاف أنه لفظ عام يراد به الخصوص لأن الحسنات لن تذهب كل السيئات وإنما يذهب منها صغائرها كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إن اجتنبت الكبائر " ١٢. فهذا يبين أن الكبائر لا تذهبها الحسنات. إلا أنه اختلف هل تذهب الحسنات ١٣ الصغائر أم لا وإن ارتكب معها كبائر أم أنها تذهب الحسنات الصغائر ما لم يرتكب معها كبائر على قولين، وظاهر الآية أنها تذهبها وإن كانت معها كبائر. فأما الحديث فظاهره القول الآخر، إلا أنه ينبغي أن يتأول على مثل ظاهر الآية، والتأويل فيه سائغ أي كفارة لما بينهما من كل ما عدا الكبائر فإنها إن كان بينها كبائر لم تكن بعد كفارة ١٤ لما بينها على الإطلاق وإنما هي كفارة على الخصوص، فهذا ١٥ يكون معنى التغيير ١٦، وهذا القول أحسن، وهذا كله بشرط المتاب من الصغائر وأن لا يصر عليها. واختلف في سبب هذه الآية : إن الحسنات فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو اليسر بن عمرو ١٧ ويقال اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها ١٨ دون الجماع ثم جاء إلى عمر فشكا إليه فقال : قد ستر الله عليك فاستر على نفسك. فقلق الرجل فجاء أبا بكر فقال له مثل مقالة عمر، فقلق الرجل. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه ثم أخبره وقال له اقض في ما شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعلها زوجة غاز في سبيل الله ". قال : نعم. فوبخه وقال ما أدري فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليه، فقال معاذ بن جبل ١٩ : أله يا رسول الله خاصة ؟ فقال بل للناس عامة ٢٠. وقيل بل نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل، وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ.
٢ في (أ)، (ز) زيادة: "هذه"..
٣ "هذا" ساقط في (أ)، (ج)، (ح)، (و)، (ز)..
٤ قتادة والضحاك حسب ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٢٣٤..
٥ في (د)، (هـ) زيادة: "أن الطرفين الصبح والمغرب وهو الظاهر من الآية"..
٦ قال القرطبي: قال ابن العربي: "والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب وهما طرفا الليل، فقلب القوس ركوة وحاد عن البرجاس" راجع الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٠٩..
٧ "أولى" كلمة ساقطة في (أ)..
٨ "في الآية" كلام ساقط في (ج)، (ح)..
٩ "الذي" كلمة ساقطة في (ب)، (د)، (هـ)، (و)..
١٠ قال ابن عطية: وهو تأويل مالك. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٢٣٥..
١١ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع م. س. ، ن. ص.
في (أ)، (ز) زيادة: "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"..
١٢ الحديث رواه أحمد في مسنده ٢/ ٢٢٩..
١٣ "الحسنات" كلمة ساقطة في (ج)..
١٤ من قوله: "لما بينهما.... إلى: كفارة" ساقط في (أ)، (ز)..
١٥ في (ج)، (هـ): "بهذا"..
١٦ في (د)، (و): "التقييد"..
١٧ أبو اليسر بن عمرو: هو كعب بن عمرو بن عبادة بن غنم بن سلمة، وهو الذي أسر العباس. شهد العقبة وبدرا، مات سنة ٥٥هـ/ ٦٨٧م. انظر الإصابة ١٢/ ٥٥..
١٨ في غير (ج)، (ح): "منها"..
١٩ معاذ بن جبل: هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري، الخزرجي، المدني، شهد بدرا والعقبة، كان من أعلم الناس بالحلال والحرام. توفي سنة ١٨ هـ/ ٦٤٠م. انظر الإصابة ٩/ ٢١٩..
٢٠ راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٠٠ – ٢٠٢، لباب النقول ص ٤٨٨، ٤٨٩..
أحكام القرآن
ابن الفرس