أخرج الترمذي والنسائي عن أبي اليسر قال : البغوي هو عمرو بن غزية الأنصاري، قال : أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت إن في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معي البيت فأهويت إليها فقبلتها ثم ندمت فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك فقال أستر على نفسك وتب، قال : فأتيت عمر فقال : أستر على نفسك وتب، فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال :" أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا " حتى ظن انه من أهل النار فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحي إليه وأقم الصلاة طرفي النهار الآية " ١ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهذا خاصة أم للناس عامة، قال : صاحب لباب النقول : وورد نحو حديث أبي اليسر من حديث أبي أمامة وابن عباس وبريدة وغيرهم، وانتصاب طرفي على الظرف لأنه مضاف إليه ومعناه غدوة وعشية وزلفا من الليل أي طائفة من الليل أو ساعات منه قريبة من النهار، فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة، قرأ أبو جعفر بضم اللام، قال : ابن عباس طرفا النهار يعني صلاة الصبح والمغرب زلفا من الليل حينئذ العشاء، وقال الحسن طرفا النهار الصبح والعصر وزلفا من الليل المغرب والعشاء، وقال مجاهد طرفا النهار الصبح والظهر والعصر وزلفا من الليل المغرب والعشاء، وهذا القول يشعر أن وقت الظهر والعصر واحد ولو عند الضرورة وكذا وقت المغرب والعشاء، ومن هاهنا قال : مالك وأحمد والشافعي إذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو بلغ الصبي آخر وقت العصر وجبت عليه الظهر والعصر، وإذا أسلم أو طهرت أو بلغ آخر وقت العشاء وجبت عليه المغرب والعشاء، خلافا لأبي حنيفة فإنه لا يجب عنده إلا العصر والعشاء، لنا الأحاديث الواردة في أوقات الصلوات الذي ذكرتها في سورة النساء في تفسير قوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ٢ فإنها تدل على ان وقت كل صلاة مباين للأخرى، ولأجل ذلك لا يجوز عند أبي حنيفة جمع صلاة الظهر والعصر ولا المغرب بعلة سفر أو مرض أو مطر كما لا يجوز جمعهما بغير علة إجماعا، وقال الشافعي ومالك وأحمد : يجوز الجمع في السفر، وعند مالك وأحمد يجوز الجمع لأجل المطر في العشاءين خاصة، وعند الشافعي بين الظهرين أيضا، وجاز عند أحمد الجمع لأجل المرض احتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش حين استحاضت بالجمع وقال :" تؤخرين الظهر وتعجلين العصر ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين " ٣ رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وانه صلى الله عليه وسلم جمع في السفر بن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر المغرب والعشاء والظهر والعصر، وفيهما عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم ينزل فيجمع بينهما، إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب " ٤ وروى مسلم من حديث معاذ بن جبل قال :" جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال : فقلت له ما حمله على ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته " ٥ وأجاب أو حنيفة عن هذه الأحاديث أن المراد من هذه الأحاديث الجمع الصوري، يعني كان يصلي الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها وكذا العشاءين، فيجمع بينهما صورة وكان يصلي كلا صلاة في وقتها كما هو مصرح في حديث حمنة، ويدل عليه في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر وفي بعض ألفاظ مسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد ان لا يحرج أمته، وفي رواية للطبراني جمع بالمدينة من غير علة، قيل : ما أراد بذلك ؟ قال : التوسع على أمته، فإن هذا الحديث محمول على الجمع الصوري البتة للإجماع على عدم جواز الجمع من غير علة، وقد جاء صريحا في الصحيح عن عمرو بن دينار قال : قلت يا أبا الشعثا أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، قال : وأنا أظن ذلك فإن قيل : يمكن حمل ما يدل على جمع التأخير على الجمع الصوري ولكن من الروايات ما يدل على جميع التقديم ولا يمكن حملها على الجمع الصوري أما حديث ابن عباس فرواه احمد و البيهقي و الدارقطني من طريق من طريق حسين بن عبيد الله بن عبد الله بن عباس عن عكرمة وكريب عن ابن عباس قال : كان إذا زاغت الشمس في منزله جميع بين الظهر والعصر قبل ان يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار إذا جاء العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا جاءت في منزله جميع بينهما وبين العشاء، وإذا لم يجيء في منزله ركب حتى إذا جاءت العشاء نزل فجمع بينهما وأما حديث أنس فرواه الإسماعيلي و البيهقي من حديث إسحاق بن راهويه بلفظ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في السفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل قال : النووي : إسناد صحيح، وأما حديث معاذ فرواه أحمد وأبو داود و الترمذي وابن حبان والحاكم و الدارقطني و البيهقي من حديث قتيبة عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل ان يرتحل جمع بين الظهر والعصر فإن ارتحل قبل أن تزيغ أخر الظهر حتى ينزل للعصر " وفي المغرب مثل ذلك ٦ الحديث قلنا أماما ذكرتهم من حديث ابن عباس فحسين ضعيف كذا قال : ابن معين، وقال النسائي متروك وأما ما ذكرتم من حديث أنس فإن وإن قال : النووي إسناد صحيح، لكن قال : الذهبي إن أبا داود أنكر على إسحاق لكن له متابع رواه الحاكم في الأربعين وفيه إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب وهذه زيادة غريبة صحيحة الإسناد رواه الطبراني في الوسط ان النبي صلى الله عليه وسلم " كان إذا كان في سفر فزاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر جميعا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما في أول العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء " وقال تفرد به يعقوب بن محمد الزهري وأما حديث معاذ قال : الترمذي تفرد به قتيبة والمعروف ما رواه مسلم وقال أبو داود هذا حديث منكر وليس في جميع التقديم حديث قائم، وقال أبو سعيد بن يونس لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال إنه غلط وعلله أبو حاتم وأطنب الحاكم في بيان علته وأعله البخاري وان حزم، وفي الجمع في السفر حديث علي رواه الدارقطني بسند له من حديث أهل البيت وفي إسناده من لا يعرف وفيه أيضا المنذر القابوسي وهو ضعيف. واحتج أبو حنيفة بحديث ابن مسعود في الصحيحين قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها يعني غلس بها فكأنه أراد قبل وقتها المعتاد، وكأنه ترك ذكر جمع عرفة لشهرته، وبما روى مسلم في حديث ليلة التعريس قول صلى الله عليه وسلم " ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى " ٧ إن الحسنات يذهبن السيئات أي يكفرنها أخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لسيئة قديمة إن الحسنات يذهبن السيئات " واخرج احمد عن أبي ذر قال :" قلت يا رسول الله أوصني " قال :" إذا علمت سيئة فأتبعها حسنة تمحها، قال : قلت : يا رسول الله من الحسنات لا إله إلا الله، قال :" هي أفضل الحسنات " عن ابن مسعود " أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار الآية، فقال : الرجل ألي هذا ؟ قال :" لجميع أمتي كلهم " وفي آدابه " لمن عمل بها من أمتي " ٨ متفق عليه، وفي رواية لمسلم نحوه وفيه قال : له عمر لقد سترك الله لو سترت على نفسك الحديث، وأخرج الحاكم و البيهقي من حديث معاذ بن جبل نحوه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنب الكبائر " ٩ رواه مسلم، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يبقى من درنه شيء، قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " ١٠ متفق عليه ذلك إشارة إلى قوله فاستقم فما بعده وقيل : إلى القرآن ذكرى للذاكرين موعظة للمتعظين
٢ سورة النساء الآية: ١٠٣..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة أنه تجمع بين الصلاتين بغسل واحد (١٢٨)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: تقصير الصلاة، باب: يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (١١١١) وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر (٧٠٤)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر (٧٠٥).
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين (١٢٠٧)..
٧ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (٦٨١). والله اعلم..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة (٥٢٦) واخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى الحسنات يذهبن السيئات.
٩ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنب الكبائر (٢٣٣)..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلوات الخمس كفارة (٥٢٨) وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا (٦٦٧).
التفسير المظهري
المظهري