و( طرفي ) : منصوب على الظرفية. و( زلفاً )، كقربة، أزلفه : قربه.
ولمَّا كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصلاة، كما في الحديث، أمر بها أثره، فقال : وأقم الصَّلاةَ طرفي النهار غدوة وعشية، وزلُفاً من الليل ؛ ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها : الصلوات الخمس. فالطرف الأول : الصبح، والطرف الثاني : الظهر والعصر، والزلف من الليل : المغرب والعشاء، إن الحسنات يُذهبن السيئات ؛ يكفر بها قال ابن عطية : لفظ الآية عام في الحسنات خاص في السيئات ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" ما اجتنَبت الكَبَائِرُ "، ثم قال : وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الجُمُعَةُ إلى الجُمعَةِ كفَّارَة، والصَّلوَاتُ الخَمسُ، وَرَمَضانُ إِلى رَمَضانَ كفارة لِمَا بينَهُما ما اجتُنِبت الكبائر " ١ انظر تمامه في الحاشية.
قال ابن جزي : رُوي أن رجلاً قََبّل امرأة، قلتُ : هو نبهان التمار، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلَّى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم :" أين السائل ؟ " فقال : ها أنا ذا، فقال :" قد غَفَرَ اللَّهُ لَكَ بِصَلاتِكَ مَعَنا ". فقال الرجل : أَلِيَ خاصَّةً، أو للمسلمين عامة ؟ فقال :" للمسلمين عَامَّةً " ٢. والآية على هذا مدنية. وقيل : إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل مستدلاً بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسناتُ عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. ه. قلت : وقيل : تكفر مطلقاً ؛ اجتُنِبَت الكبائر أم لا، وهو الظاهر، لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب ؛ لقوله تعالى : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ. . . [ النساء : ٣١ ] الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام :" ما اجتنبت الكبائر ". معناه : أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر.
والحاصل : أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب ؛ لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم.
قال ابن عطية في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى. . . [ التوبة : ١١١ ] الآية : الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي :" أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه ". ختم الله لنا بالحسنى. انتهى.
ذلك أي : ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، ذكرى للذاكرين : عظة للمتقين. وخص الذاكرين، لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر :" لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله ".
فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات : كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحِلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات.
وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالاً كان أو مقاماً أو كرامة، أو غير ذلك : كما قال الششتري رضي الله عنه :
وقوله تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا : هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية : قلب لبعض الأبدال : كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ؛ فإن النظر إليهم ظلمة، قلت : لا بد لي، قال : لا تسمع كلامهم ؛ فإن كلامهم قسوة : قلت : لا بد لي، قال : لا تعاملهم ؛ لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت : أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم ؟ قال : لا تسكن إليهم ؛ فإن السكون إليهم هلكة. قلت : هذا لعله يكون ؟ قال : يا هذا، أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله عز وجل ! ! هيهات ! هذا ما لا يكون أبداً. هـ. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق : ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمَة. هـ. فلا تلْتَفِت في السَّير غيراً، وكلُّ ما سوى الله غيرٌ، فاتخذ ذِكرَه حِصنا وكلُّ مقامٍ لا تُقمْ فيهِ إنّه حجابٌ، فجد السَّير واستَنجد العونا وقُلْ :ومهما ترى كلًّ المراتِبِ تجْتَلِي عليكَ فحلْ عنها، فعَن مثلها حُلنا ليس لي في غَير ذاتِكَ مَطلبٌ فلا صورةُ تُجلى ولا طُرفة تُجنا
٢ أخرجه مسلم في التوبة حديث ٤٣..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي