ولما أمر تعالى بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة بقوله تعالى : وأقم الصلاة وذلك يدلّ على أنّ أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى هو الصلاة وقوله تعالى : طرفي النهار الغداة والعشي، أي : الصبح والظهر والعصر. وقوله تعالى : وزلفاً جمع زلفةً، أي : طائفة من الليل ، أي : المغرب والعشاء إنّ الحسنات كالصلوات الخمس يذهبن ، أي : يكفرن السيئات ، أي : الذنوب الصغائر، لما رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال :«الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر »، وزاد في رواية أخرى :«ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر »، وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«أرأيتم لو أنّ نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات ما تقولون هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يا رسول الله، لا يبقى من درنه شيء. فقال : ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا ». وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات ». وعن الحسن أنّ الحسنات قول العبد : سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وسبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي عن أبي اليسر بن عمر وقال : أتتني امرأة وزوجها بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعث فقالت : بعني بدرهم تمراً. قال : فأعجبتني فقلت : إنّ في البيت تمراً هو أطيب من هذا فالحقيني، فَدَخَلَتْ معي البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً، فأتيت عمراً فذكرت له ذلك فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال :«أخنت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا » حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحي إليه : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إلى قوله تعالى : ذلك ذكرى للذاكرين ، أي : عظة للمتقين. قال أبو اليسر : فأتيته فقرأها عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهذا خاصة أم للناس عامّة ؟ قال :«بل للناس عامّة ». قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب.
وعن عبد الله بن مسعود أنّ رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فنزلت فقال رجل : يا رسول الله، ألهذا خاصة ؟ فقال :«بل للناس كافة ». وعن معاذ بن جبل قال : أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله، أرأيت رجلاً لقي امرأة ليس بينهما معرفة وليس يأتي الرجل إلى امرأة شيئاً إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها ؟ قال : فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي، فقال معاذ بن جبل فقلت : يا رسول الله، أهي له خاصة أم للمؤمنين عامّة ؟ قال :«بل للمؤمنين عامّة ».
قال العلماء : الصغائر من الذنوب تكفرها الأعمال الصالحة مثل الصلاة والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من أعمال البر، وأمّا الكبائر من الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ثلاث شرائط : الأوّل : الإقلاع عن الذنب بالكلية، الثاني : الندم على فعله، الثالث : العزم التام على أن لا يعود إليه في المستقبل، فإذا حصلت هذه الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى والإشارة في قوله تعالى ذلك ذكرى إلى ما تقدّم ذكره من قوله تعالى : فاستقم كما أمرت إلى هاهنا. وقيل : هو إشارة إلى القرآن.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني