أفمن كان على بينة برهان من ربه يدله على الحق والصواب فيختار عبادة الله على عبادة الأوثان والدار الآخرة الباقية ونعيمها على الدار الفانية ولذتها، الموصل مبتدأ حذف خبره والفاء للتعقيب والهمزة لإنكار الحكم بمشابهة في هذا شأنه بهؤلاء المقصرين هممهم وأفكارهم على الدنيا بعد العلم بان المقصرين ليس لهم في الآخرة إلا النار وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر، والتقدير أفمن كان على بينة من ربه كمن كان يريد الحياة الدنيا، والمراد بالموصول المؤمنون المخلصون ومن قال : المراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم عني به الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه للعموم وجمعية اسم الإشارة في قوله أولئك يؤمنون به أخرج أبو الشيخ عن أبي العالية وإبراهيم النخعي في قوله أفمن كان على بينة من ربه قال : ذلك محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب، والمراد بالبينة القرآن ويتلوه أي يقرأ ذلك البرهان شاهد منه أي من الله تعالى ومن قبله أي من قبل نزوله كتاب موسى يعني التوراة شاهد من الله يصدق القرآن إماما كتابا مؤمما به في الدين ورحمة على المنزل عليهم وهما حالان من كتاب موسى، والمراد بالشاهد جبريل عليه السلام أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه قال : جبرئيل، فهو شاهد من الله يتلو من كتاب الله الذي انزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قبله تلا التوراة على موسى كما تلا القرآن على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا ذكر البغوي قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد وعكرمة والضحاك وأكثر أهل التفسير أنه جبرئيل رض الله عنه، وقال الحسن وقتادة هو لسان محمد صلى الله عليه وسلم يعني يقرأ ذلك البرهان الذي عليه المؤمنون شاهد من الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قبله كتاب موسى شاهد له، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال : قلت لأبي عن الناس يزعمون في قول الله تعالى ويتلوه شاهد منه أنك أنت الشاهد، فقال : وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم " وأخرجه أبو الشيخ من طريق أبي نجيح عن مجاهد، وقيل : يتلو من التلو بمعنى التبعية والشاهد ملك يحفظه والضمير في يتلوه أما لمن أو للبينة باعتبار المعنى، ومن قبله كتاب موسى جملة مبتدئة، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد أفمن كان على بينة من ربه قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم والشاهد منه قال : ملك يحفظه، وقيل هو علي بن أبي طالب. قال : هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشاهد منه قال : ملك يحفظه، وقيل الشاهد هو علي بن أبي طالب. قال : البغوي قال : علي ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن فقال : له رجل وأنت أي شيء نزل فيك ؟ قال : ويتلوه شاهد منه فإن قيل : فما وجه تسمية علي بالشاهد ؟ قلت : لعل وجه ذلك انه أول من أسلم من الناس فهو أول من شهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، والوجه عندي أن يقال أن عليا كان قطب كمالات الولاية وسائر الأولياء حتى الصحابة رضوان الله عليهم أتباع له في مقام الولاية، وأفضلية الخلفاء الثلاثة بوجه آخر كذا حقق المجدد في مكتوب من أواخر مكتوباته فكان معنى الآية أفمن كان على بينة من ربه يعني على حجة واضحة وبرهان قاطع وهو محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان على حجة واضحة من ربه وبرهان قاطع يفيد بالقطع أنه رسول الله، وذلك معجزاته أفضلها القرآن وعلومه المستندة إلى الوحي، ويتلوه أي يتبعه شاهد من الله على صدقه وهو علي ومن شاكَلَهُ من الأولياء، فإن كرامات الأولياء معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم وعلومهم المستندة إلى الإلهام والكشف ظلال لعلوم النبي صلى الله عليه وسلم المستندة إلى الوحي فتلك الكرامات والعلو شاهدة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فوله صلى الله عليه وسلم :" أنا دار الحكمة وعلي بابها " ١ رواه الترمذي بسند صحيح عن علي، " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب " رواه ابن عدي في الكامل والعقيلي في الضعفاء والطبراني والحاكم عن ابن عباس وابن عدي والحاكم عن جابر، إشارة إلى علوم الأولياء دون علوم الفقهاء فإن أخذ علوم الفقهاء لم ينحصر على علي بل قال : فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أصحابي كالنجوم بأيهما اقتديتم اهتديتم " ٢ وقيل شاهد منه وهو الإنجيل وقبله موسى التوراة شاهد له وقيل البينة البرهان العقلي والشاهد القرآن، قال : الحسين بن الفضل الشاهد في القرآن ونظمه وإعجازه، والمعنى أفمن كان قائما على وفق البرهان العقلي ويتبع ذلك البرهان شاهد من الله يعني القرآن يشهد بصحة البرهان ومن قبل القرآن كتاب موسى يعني التوراة أيضا يشهد للبرهان والمراد بالموصول المسلم المخلص أولئك إشارة إلى من كان على بينة بناء على أن المراد به جماعة المسلمين وجاز أن يكون إشارة إلى شاهد من حيث المعنى إن كان المراد به علي فمن شاكله من الأولياء يؤمنون به حقيقة الإيمان ومن يكفر به أي محمد صلى الله صله وسلم من الأحزاب من أهل الملل كلها فالنار موعده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " ٣ رواه مسلم فلا تك في مرية في شك منه أي من الموعد او من القرآن إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بقلة نظرهم واختلال فكرهم
٢ رواه البيهقي وله شاهد مسند عند الديلمي..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (١٥٣)..
التفسير المظهري
المظهري