١- اقتضى عدل الله وحكمته أن من قصد الدنيا وحدها وأتى بعمل البرّ والخير كصدقة وصلة رحم وكلمة طيّبة ونحو ذلك، يكافأ بها فقط بصحة الجسم، وكثرة الرّزق، لكن لا حسنة له في الآخرة، ويحرم من ثمرة عمله فيها.
٢- إن أهل الرّياء والسّمعة يعطون بحسناتهم في الدّنيا، حتى لا يظلموا شيئا منها مهما قلّ، ويحرمون من الثواب الأخروي لأن ثواب الجنة يكون بتزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح، واجتناب المعاصي، وأما عمل أهل الدّنيا فمقصور عليها وعلى مظاهرها وشهواتها.
٣- ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية وأمثالها المذكورة مطلقة، تشمل المؤمن والكافر.
٤- إن العبد ينوي ويريد، والله سبحانه يحكم ما يريد.
٥- الكافر يخلد في النّار، والمؤمن لا يخلّد لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء ٤/ ٤٨].
٦- الإسلام يدعو إلى إيثار العمل للآخرة على عمل الدّنيا، في النّيّة والقصد، فإن قصد الدّنيا والآخرة معا كان ذلك مقبولا شرعا.
من كان يريد الآخرة
[سورة هود (١١) : آية ١٧]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)
الإعراب:
أَفَمَنْ كانَ: فَمَنْ: مبتدأ، والهمزة للإنكار، والخبر محذوف تقديره: أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن كان يريد الحياة الدّنيا، والهاء في يَتْلُوهُ للقرآن، والشاهد: الإنجيل. والهاء في مِنْهُ عائد لله تعالى، والهاء في قَبْلِهِ للإنجيل.
وكِتابُ مُوسى معطوف مرفوع على قوله: شاهِدٌ ففصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وهو قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِ وتقديره: ويتلوه كتاب موسى من قبله.
إِماماً وَرَحْمَةً نصب على الحال من كِتابُ مُوسى.
فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ مبتدأ وخبر، والجملة خبر وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ.
المفردات اللغوية:
بَيِّنَةٍ حجة وبيان وبرهان من الله يدلّه على الحقّ والصّواب فيما يأتيه ويذره، والبيّنة:
هي القرآن، وهو حكم يعمّ كلّ مؤمن مخلص، وقيل: المراد به النّبي صلى الله عليه وسلّم، أو المؤمنون، وقيل:
مؤمنو أهل الكتاب. وَيَتْلُوهُ يتبعه. شاهِدٌ له بصدقه. مِنْهُ أي من الله، و «الشاهد» : الإنجيل، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن، وقيل: النّبي صلى الله عليه وسلّم. وَمِنْ قَبْلِهِ أي الإنجيل، وقيل: القرآن. كِتابُ مُوسى التّوراة شاهد له أيضا. إِماماً كتابا مؤتّما به في الدّين. أُولئِكَ أي من كان على بيّنة، ويراد بكلمة فَمَنْ المعنى الجماعي. يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالقرآن، فلهم الجنة.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ أهل مكة وجميع الكفار الذين تحزّبوا معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يردها لا محالة، أي مكان الوعد وهي النّار يردها. فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ في شكّ من الموعد المذكور، أو القرآن. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أهل مكة وأمثالهم. لا يُؤْمِنُونَ لقلّة نظرهم واختلال فكرهم.
المناسبة:
تعلّق الآية بما قبلها واضح، فبعد أن ذكر الله تعالى من كان يريد الدّنيا وزينتها ولا يهتم بالآخرة وأعمالها، أعقبه بذكر من كان يريد الآخرة ويعمل لها، ومعه شاهد يدلّ على صدقه وهو القرآن.
التفسير والبيان:
أفمن كان على نور وبصيرة من الله تدلّه على الحقّ والصّواب، ويؤيّده شاهد له على صدقه، وهو كتاب الله من إنجيل أو قرآن، وهم المؤمنون بالفطرة بأنه لا إله إلا الله، كمن كان يريد الحياة الدّنيا وزينتها؟ كما قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزّمر ٣٩/ ٢٢]، وقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الرّوم ٣٠/ ٣٠].
وكذلك يؤيّده كتاب موسى عليه السّلام وهو التّوراة، الذي أنزله الله تعالى إلى تلك الأمّة إماما لهم، أي كتابا مؤتما به في الدّين وقدوة يقتدون به، ورحمة من الله بهم لأنه همزة وصل بخير الدّارين، فمن آمن به حقّ الإيمان، قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ويكون ذلك الكتاب رحمة لمن آمن به وعمل به.
وكون الإنجيل والتّوراة تابعين للقرآن ليس في الوجود، بل في دلالتهما على هذا المطلوب، وتبشيرهما بالنّبي صلى الله عليه وسلّم وكونه موصوفا فيهما: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف ٧/ ١٥٧].
أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ... أي أولئك الذين يؤمنون بما في التّوراة من البشارة بمحمد النّبي صلى الله عليه وسلّم، يؤمنون بهذا القرآن إيمانا حقّا عن يقين وإذعان.
وفي الجملة: من كان مؤمنا بالفطرة وبالعقل، وبنور القرآن، وبالوحي الثابت الذي نزل على موسى وعيسى وغيرهما من الرّسل، فهو على منهج الحقّ والصّواب.
ومن يكفر بالقرآن من أهل مكة ومن تحزّبوا على النّبي صلى الله عليه وسلّم وغيرهم من اليهود والنّصارى والوثنيين، فالنّار موعده لا ريب في وروده إياها، أي أن مآله حتما إلى جهنم وهو من أهل النّار، جزاء تكذيبه، كما قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ، وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها، وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [هود ١١/ ١٦]
والْأَحْزابِ هم كما قال مقاتل: بنو أميّة، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل طلحة بن عبيد الله. وقال سعيد بن جبير: الأحزاب: أهل الأديان كلّها، وروي عن مقاتل: «من الملل كلّها» لأنهم يتحازبون.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النّار».
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي فلا تكن أيها المكلّف السّامع في شكّ من أمر هذا القرآن، فإنه حقّ من الله لا ريب ولا شكّ فيه، كما قال تعالى: الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [السّجدة ٣٢/ ١- ٢]. والخطاب بقوله: فَلا تَكُ للنّبي صلى الله عليه وسلّم، والمراد جميع المكلّفين.
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ.. أي ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف ١٢/ ١٠٣]، والسبب أن المشركين مستكبرون مقلّدون زعماءهم، وأن أهل الكتاب حرّفوا دين أنبيائهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
١- إن من تبيّن الرشد والصّواب بالفطرة والعقل، واهتدى بنور الوحي الإلهي فهو الذي يؤثر الآخرة على الدّنيا، ولا يستوي إطلاقا مع من آثر الدّنيا الفانية وزينتها الموقوتة على الآخرة الباقية الخالدة.
٢- اليهود والنصارى المؤمنون بحقّ يؤمنون بما في التّوراة والإنجيل من البشارة بالنّبي صلى الله عليه وسلّم، وأما غير المؤمنين بحقّ، المتأخرون منهم أو من غيرهم، فهم
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي