والسعة فى الرزق وكثرة الأولاد والرياسة وغير ذلك لا وجه الله تعالى والمراد بالارادة ما يحصل عند مباشرة الأعمال لا مجرد الارادة القلبية لقوله تعالى نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها اى توصل إليهم ثمرات أعمالهم فى الحياة الدنيا كاملة وليس المراد بأعمالهم اعمال كلهم فانه لا يجد كل متمن ما تمناه فان ذلك منوط بالمشيئة الالهية كما قال تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ولا كل أعمالهم بل بعضها الذي يترتب عليه الاجر والجزاء وَهُمْ فِيها اى فى الحياة الدنيا لا يُبْخَسُونَ لا ينقصون شيأ من أجورهم أُولئِكَ المريدون للحياة الدنيا وزينتها الموفون فيها ثمرات أعمالهم من غير بخس الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ لان هممهم كانت مصروفة الى الدنيا وأعمالهم مقصورة على تحصيلها فقد اجتنبوا ثمراتها فلم يبق فى الآخرة الا العذاب المخلد وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها يعنى بطل ثواب أعمالهم التي صنعوها فى الدنيا لانها لم تكن لوجه الله تعالى والعمدة فى اقتضاء ثواب الآخرة هو الإخلاص وَباطِلٌ [وناچيز است] فى نفس الأمر ما كانُوا يَعْمَلُونَ رياء وسمعة. فقوله باطل خبر مقدم وما كانوا يعملون مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها والآية فى حق الكفار كما يفصح عنه الحصر فى كينونة النار لهم واعلم ان حسنات الكفار من البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعى فى دفع الشرور واجراء الأنهار ونحو ذلك مقبولة بعد إسلامهم يعنى يحسب ثوابها ولا يضيع واما قبل الإسلام فانعقد الإجماع على انهم لا يثابون على أعمالهم بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن يكون بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم وذكر الامام الفقيه ابو بكر البيهقي انه يجوز ان يراد بما فى الآيات والاخبار من بطلان خيرات الكفار انهم لا يتخلصون بها من النار ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجنايات ارتكبوها سوى الكفر ووافقه المازري كما فى شرح المشارق لابن الملك وقال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت هذه الآية فى اهل الرياء من اهل القبلة فمعنى قوله تعالى لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ليس يليق لهم الا النار ولا يستحقون بسبب الأعمال الريائية الا إياها كقوله تعالى فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وجائز ان يتغمدهم الله برحمته فليس فى الآية دلالة على الخلود والعذاب البتة والظاهر ان الآية عامة لاهل الرياء مؤمنا كان او كافرا او منافقا كما فى زاد المسير والرياء مشتق من الرؤية وأصله طلب المنزلة فى قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير كما فى فتح القريب وفى الحديث (ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال (الرياء يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)
مرايى هر كسى معبود سازد
مرايى را از آن گفتند مشرك
قال فى شرح الترغيب المشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ومجوسى ويهودى ونصرانى ومرتد وزنديق وعلى المرائى وهو الشرك الأصغر والشرك الخفي يقال للقراء من اهل الرياء أردت ان يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك ولمن وصل الرحم وتصدق فعلت حتى يقال فقيل ولمن قاتل فقتل قاتلت حتى يقال فلان جريئ فقد قيل ذلك فهؤلاء الثلاثة أول خلق يسعر؟؟؟ بهم
صفحة رقم 108
النار كما فى الحديث (ويصعد الحفظة بعمل العبد الى السماء السابعة من صلاة وصوم ونفقة واجتهاد وورع فيقول لهم الملك الموكل بها اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه فانه أراد بعمله غير الله تعالى ويصعد الحفظة يعمله من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر الله ويشيعه ملائكة السموات حتى يقطعون الحجب كلها فيقول لهم الله تعالى أراد به غيرى فعليه لعنتى فيقول الملائكة كلها عليه لعنتك ولعنتنا ويلعنه السموات السبع ومن فيهن) كما ورد فى الحديث: قال الحافظ
گوييا باور نمى دارند روز داورى
كين همه قلب ودغل در كار داور ميكنند
قال الفضيل ترك العمل لاجل الناس رياء والعمل لاجل الناس شرك والإخلاص الخلاص من هذين معنى كلامه ان من عزم على عبادة الله تعالى ثم تركها مخافة ان يطلع الناس عليه فهو مرائ لانه لو كان عمله لله تعالى لم يضره اطلاع الناس عليه
ومن عمل لاجل ان يراه الناس فقد أشرك فى الطاعة ويستثنى من كلامه مسألة لا يكون ترك العمل فيها لاجل الناس رياء وهى إذا كان الشخص يعلم انه متى فعل الطاعة بحضرة الناس آذوه واغتابوه فان الترك من أجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليه ورحمة كما فى فتح القريب وقال فى شرح الطريقة من مكايد الشيطان ان الرجل قد يكون ذاورد كصلاة الضحى والتهجد وتلاوة القرآن والادعية المأثورة فيقع فى قوم لا يفعلونه فيتركه خوفا من الرياء وهذا غلط منه إذ مداومته السابقة دليل الإخلاص فوقوع خاطر الرياء فى قلبه بلا اختيار ولا قبول لا يضر ولا يخل بالإخلاص فترك العمل لاجله موافقة للشيطان وتحصيل لغرضه نعم عليه ان لا يزيد على معتاده ان لم يجد باعثا وقد يترك لا خوفا من الرياء بل خوفا من ان ينسب اليه ويقال انه مرائ وهذا عين الرياء لانه تركه خوفا من سقوط منزلته عند الناس وفيه ايضا سوء الظن بالمسلمين وقد يقع فى خاطره ان تركه لاجل صيانتهم من الغيبة لا لاجل الفرار من المذمة وسقوط المنزلة وهذا ايضا سوء الظن بهم إذ صيانة الغير من المعصية انما يكون فى ترك المباحات دون السنن والمستحبات انتهى كلامه قال فى التأويلات النجمية وَحَبِطَ ما صَنَعُوا من اعمال الخير فِيها فى الدنيا للدنيا وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الأعمال وان كانت حقا لانهم عملوها لغير وجه الله وهو باطل وبه يشير الى ان كل من يعمل عملا يطلب به غير الله فان عمله ومطلوبه باطل كما قال ﷺ (ان اصدق كلمة قالتها العرب ألا كل شىء ما خلا الله باطل) قال حضرة الشيخ الأكبر قد سنا الله بسره الأطهر اعلم ان الموجودات كلها وان وصفت بالباطل فهى حق من حيث الوجود ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث انه ليس له وجود من ذاته فحكمه حكم العدم وهذا معنى قولهم قوله باطل اى كالباطل لان العالم قائم بالله لا بنفسه فهو من هذا الوجه باطل والعارف إذا وصل الى مقامات القرب فى بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الخلق لانها زالت من الوجود بالكلية ثم إذا كمل عرفانه شهد الحق تعالى والخلق معا فى آن واحد وما كل أحد يصل الى هذا المقام فان غالب الناس ان شهد الخلق لم يشهد الحق وان شهد الحق لم يشهد الخلق ولا يدرك الوحدة الا من أدرك اجتماع الضدين ولعل
صفحة رقم 109
من المشهد الاول قول الأستاذ الشيخ ابى الحسن البكري قدس سره استغفر الله مما سوى الله تعالى لان الباطل يستغفر من اثبات وجوده لذاته كذا فى انسان العيون فى سيرة الامين المأمون: قال الشيخ المغربي
سايه هستى مى نمايد ليك اندر اصل نيست
نيست را از هست ار بشناختى يابى نجات
: وقال ايضا
بيدار شو از خواب كه اين جمله خيالات
اندر نظر ديده بيدار چوخوابيست
نسأل الله سبحانه ان يكشف القناع عن وجه المقصود ويتجلى لنا بجماله فى وجه كل مظهر وموجود وهو الرحيم الودود ذو الفضل والفيض والجود أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ الهمزة للانكار والبينة الحجة والبرهان وعلى للاستعلاء المجازى وهو الاستيلاء والاقتدار على إقامتها والاستدلال بها ومن شرطية او موصولة مبتدأ حذف خبره والتقدير أفمن كان على برهان ثابت من ربه يدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره وهو كل مؤمن مخلص كمن ليس على بينة يعنى سواء بل الاول على السعادة وحسن العاقبة والثاني على الشقاوة وسوء الخاتمة وَيَتْلُوهُ من التلو وهو التبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل فتذكير الضمير الراجع الى البينة انما هو بتأويل شاهِدٌ مِنْهُ اى شاهد من الله تعالى يشهد بصحته وهو القرآن وَمِنْ قَبْلِهِ اى ومن قبل القرآن الشاهد كِتابُ مُوسى وهو التوراة فانها ايضا تتلو ذلك البرهان فى التصديق إِماماً كتابا مؤتما به فى الدين ومقتدى وانتصابه على الحال وَرَحْمَةً اى نعمة عظيمة على من انزل إليهم ومن بعدهم الى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم قال فى انسان العيون التوراة أول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع بخلاف ما قبله من الكتب فانها لم تشتمل على ذلك وانما كانت مشتملة على الايمان بالله وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز انتهى أُولئِكَ اشارة الى من كان على بينة يُؤْمِنُونَ بِهِ اى يصدقون بالقرآن وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ [وهر كه كافر شود بقرآن] مِنَ الْأَحْزابِ من اهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله ﷺ يقال تحزبوا عليه اى اجتمعوا فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ اى مكان وعده الذي يصير اليه وفى جعلها موعدا اشعار بان له فيها ما يوصف من أفانين العذاب فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ اى فى شك من امر القرآن وكونه من عند الله إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الذي يربيك فى دينك ودنياك وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بان ذلك حق لا شبهة فيه اما لقصور انظارهم واختلال افكارهم واما لعنادهم واستكبارهم هذا ما اختاره البيضاوي وتبعه فى ذلك اكثر المفسرين وقال المولى ابو السعود فى الإرشاد ما حاصله ان المراد بالبينة البرهان الدال على حقية الإسلام وهو القرآن والكون على بينة من الله عبارة عن التمسك بها ويتلوه اى يتبعه شاهد من القرآن شهيد بكونه من عند الله وهو اعجازه وما وقع فيه من الاخبار بالغيب او شاهد من الله تعالى كالمعجزات الظاهرة على يديه عليه السلام ولما كان المراد بتلو الشاهد للبرهان اقامة الشهادة بصحته وكونه من عند الله تعالى تا تابعا له بحيث لا يفارقه فى مشهد من المشاهد فان القرآن بينة باقية على وجه الدهر مع شاهدها
صفحة رقم 110
الذي يشهد بامرها الى يوم القيامة عند كل مؤمن وجاحد عطف كتاب موسى فى قوله تعالى وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى على فاعله مع كونه مقدما عليه فى النزول فكأنه قيل أفمن كان على بينة من ربه ويشهد به شاهد آخر من قبل هو كتاب موسى وقال فى التأويلات النجمية وحمل الآية فى الظاهر على النبي ﷺ وابى بكر اولى وأحرى فانه عليه السلام كما كان على بينة من ربه كان ابو بكر شاهدا يتلوه بالايمان والتصديق يدل عليه قوله وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ يعنى النبي عليه السلام وصدق به يعنى أبا بكر رضى الله عنه وهو الذي كان ثانيه فى الغار وتاليه فى الامامة فى مرضه عليه السلام حين قال (مر أبا بكر فليصل بالناس) وكان تاليه بالخلافة بإجماع الصحابة وكان منه حيث قال ﷺ لابى بكر وعمر رضى الله عنهما (انهما منى بمنزلة السمع والبصر وَمِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ابى بكر وشهادته بالنبوة كان
كِتابُ مُوسى وهو التوراة إِماماً يأتم به قومه بعده وفى ايام محمد ﷺ كما ائتم به عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما من أحبار اليهود ولانه كان فيه ذكر النبي ﷺ بالنبوة والرسالة وَرَحْمَةً اى الكتاب كان رحمة لاهل الرحمة وهى الذين يؤمنون بالكتاب وبما فيه كما قال أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعنى اهل الرحمة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ اى بالكتاب وبما فيه مِنَ الْأَحْزابِ اى حزب اهل الكتاب وحزب الكفار وحزب المنافقين وان زعموا انهم مسلمون لان الإسلام بدعوى اللسان فحسب وانما يحتاج مع دعوى اللسان الى صدق الجنان وعمل الأركان فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ اى من ان يكون الكافر بك وبما جئت به من اهل النار لان الايمان بك ايمان بي وان طاعتك طاعتى فلا يخطرن ببالك انى من سعة رحمتى لعلى ارحم من كفر بك كائنا من كان فانى لا ارحمهم لانهم مظاهر قهرى إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ اى يكون له مظاهر صفات القهر كما يكون له مظاهر صفات اللطف وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بصفات قهره كما يؤمنون بصفات لطفه لرجائهم المذموم ولغرورهم المشئوم بكرم الله فانه غرهم بالله وكرمه الشيطان الغرور انتهى: قال الحافظ
در كارخانه عشق از كفر ناگزيرست
آتش كرا بسوز دگر بو لهب نباشد
واعلم ان حضرة القرآن انما نزل لتمييز اهل اللطف واهل القهر فهو البرهان النير العظيم الشان وبه يعلم اهل الطاعة من اهل العصيان ولما كان الكلام صفة من الصفات القديمة له تعالى قال اهل التأويل فى اشارة قوله أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ اى كشف بيان من تجلى صفة من صفات ربه وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ اى ويتبع الكشف شاهد من شواهد الحق فان الكشف يكون مع الشهود ويكون بلا شهود. والمعنى أفمن كان على بينة من كشوف الحق وشواهده كمن كان على بينة من العقل والنقل مع احتمال السهو والغلط فيها ولذا: قال الحافظ