ثم قال تعالى: أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا: أي: في الدنيا، ومعنى حبط: ذهب، وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
قوله: أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ إلى قوله لاَ يُؤْمِنُونَ.
والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، وهو النبي ﷺ.
والهاء في " ربه " تعود عليه. قال ذلك قتادة، وعكرمة، والنخعي.
وقوله: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ: أي: ويتلو محمداً شاهدا منه، أي: من الله، وهو القرآن.
وقيل: المعنى: ويتلو القرآن شاهداً منه، أي: من محمد. وهو لسانه، أي: يقرأه: وهو قول الحسن، ومعمر.
ويجوز أن تكون الهاء في ويتلوه للبينة، لأنها بمعنى البيان.
وقال ابن عباس: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ: هو جبريل عليه السلام، يتلو القرآن من عند الله تعالى، على محمد ﷺ.
وقال مجاهد: هو مَلَكٌ مع النبي ﷺ، يحفظه من عند الله، سبحانه.
وقيل: إن قوله أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، يعني: به النبي ﷺ، والمؤمنين. ودلّ على ذلك قوله: أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ.
وقيل: المعنى: ويتلوه شاهد من الله، تعالى، والشاهد: الإنجيل، ويتلوه القرآن بالتصديق.
وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى، أي ومن قبل الإنجيل التوراة.
وقال الزجاج: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي، ﷺ، موصوف في التوراة، والإنجيل.
وحكى أبو حاتم: (ومن قبله كتابَ موسى) بالنصب، على العطف على الهاء في " يتلوه ". أي: ويتلو كتاب موسى جبريل، فهو من التلاوة التي هي القراءة، وكذلك قال ابن عباس، قال: (الشاهد): جبريل، و " منه " من الله تعالى. و " من قبله " تَلَى جبريل كتاب موسى على موسى ﷺ. ويجوز الرفع في كِتَابُ على هذا المعنى، كما تقول: رأيت أخاك، وأباك: أي: وأباك كذلك. فيكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك: أي: تلاه جبريل على موسى، كما تلى على محمد عليهم السلام.
والمعنى: أفمن كان على هذه الحال، كمن هو في الضلالة، والعمى. واختار قوم أن يكون المعنى: أن الشاهد القرآن، يتلوه محمد، أي: بعده شاهداً له. ودل على ذلك قوله: وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى.
قال ابن عباس: الشاهد جبريل.
قال مجاهد: الشاهد حافظ من الله تعالى، يحفظ محمداً: أي: ملك. فالهاء في " منه " تعود على الله، في هذين القولين.
وقيل: (الشاهد): لسان محمد ﷺ، والهاء تعود على محمدٍ. قاله الحسن.
وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن. والهاء في يُؤْمِنُونَ بِهِ للقرآن.
وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن والهاء في يُؤْمِنُونَ بِهِ للقرآن، وقيل: لمحمد ﷺ.
ثم قال تعالى: أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ: أي: مَنْ هذه صفته، يؤمن بالقرآن، وإن كفر به هؤلاء الذين قالوا: إن محمداً افتراه.
ثم قال: وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ " يعني: من مشركي العرب، وغيرهم، ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، من كفر بِمُحَمَّدٍ، فالنار موعده يهودياً، كان أو نصرانياً، أو غير ذلك.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي