ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( ١ ) ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير ( ٢ ) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ( ٣ ) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ( ٤ )
هذه الآيات الأربع في أصول الدعوة إلى دين الله تعالى وهي القرآن وما بينه من توحيد الله وعبادته وحده والإيمان برسله وبالبعث والجزاء، وعمل الصالحات، خوطب بها الناس من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدون ذكرهم، ولا ذكر لأمره تعالى له به، للعلم بكل منهما بالقرينة، وبنزول هذه السورة عقب سورة يونس التي افتتحت بمثل هذا.
وأن استغفروا ربكم هذا عطف على ما قبله، أي وأن اسألوه أن يغفر لكم ما كان من الشرك والكفر والإجرام والظلم ثم توبوا إليه أي ثم ارجعوا إليه من كل إعراض –عنه وعن آياته- يعرض لكم بترك واجب أو فعل محرم، نادمين منيبين مصلحين لما أفسدتم، مستدركين ما قصرتم، عطف التوبة بثم لأن مرتبة العمل متأخرة عن مرتبة القول، فكم من مستغفر وهو مصر على الذنب، وسيأتي مثله في قصة كل من هود وصالح وشعيب يمتعكم متاعا حسنا المتاع كل ما ينتفع به في المعيشة وحاجة البيوت، والإمتاع والتمتيع إعطاء ما يتمتع به تمتعا طويلا ممتدا، وأما وصفه تعالى لمتاع الدنيا وتمتع أهلها بها بالقليل فهو بالإضافة إلى حياة الآخرة، والمعنى أن تستغفروا ربكم عند كل ذنب، وتتوبوا إليه من كل إعراض عن هدايته، وتنكب عن سنته، يمتعكم في دنياكم متاعا حسنا مرضيا ممتدا إلى أجل مسمى عنده وهو العمر المقدر لكم في علمه، المكتوب في نظام الخليقة وسنن الاجتماع البشري في عباده، فلا يقطعه إهلاككم بعذاب الاستئصال، ولا بفساد العمران وسلب الاستقلال، ولا ينغصه كل ما ينغص حياة الكفار، وذلك أن لتنغيص الحياة في الدنيا وسلب النعم من أهلها أسبابا ترجع كلها إلى الإصرار على الكفر والذنوب المحرمة، وهي لم تكن محرمة إلا لأنها ضارة مفسدة للدين أو مزيلة للحياة أو للعقل أو للصحة أو لنظام الاجتماع المالي والمدني، وإنما تكون مفسدة بإصرار فاعليها عليها، فإذا كان من تعرض له يندم ويبادر إلى التوبة من قريب ويصلح ما نجم من فسادها بالعمل المضاد له، امتنع ذلك الفساد وزال أثره، ولهذا اشترط في التوبة المقبولة ما اشترط ووصفت في القرآن بما وصفت كقوله تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب [ النساء : ١٧ ] وقوله : فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه [ المائدة : ٣٩ ] وفي معناه آيات أخرى وقوله : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [ آل عمران : ١٣٥ ] وقد سبق تفسيرها في مواضعها.
وهذه السنة الربانية مطردة في ذنوب الأمم المقصودة بالقصد الأول من هذا الخطاب، وهي فيها أظهر منها في ذنوب الأفراد [ كما بيناه في مواضع عديدة من هذا التفسير ] فالأمم التي تصر على الظلم والفساد والفسوق والعصيان، يهلكها الله تعالى في الدنيا بالضعف والشقاق وخراب العمران، حتى تزول منعتها، وتتمزق دولتها، فتنقرض أو تستولي عليها دولة أخرى، فهذا معروف في تواريخ الأمم من أحوالها العامة في كل عصر، وأما أقوام الرسل عليهم السلام في عصورهم فقد أهلك الله المصرين منهم على الكفر والعناد، بعد قيام الحجة عليهم بعذاب الخزي والاستئصال، كما بيناه في مواضعها وأقربها عهدا [ أواخر ] سورة يونس عليه السلام، والآية تتضمن نجاة هذه الأمة المحمدية من عذاب الاستئصال كما بيناه في تفسير سورة يونس أيضا، وسنعود إلى بيان هذا في تفسير الآيات [ ١٠٠-١٠٣ ] التي ختمت بها قصص الرسل من هذه السورة.
وأما قوله تعالى : ويؤت كل ذي فضل فضله فهو عام مطلق في جزاء الأفراد في الآخرة، مقيد في جزائهم في الدنيا، ومعناه مع الذي قبله أنكم أيها المخاطبون بهذه الآيات من قوم محمد رسول الله وخاتم النبيين، إن تجتنبوا الشرك وتؤمنوا بالله ورسوله وتستغفروا ربكم، وتتوبوا إليه عقب كل ذنب يقع منكم يمتعكم بجملتكم ومجموعكم متاعا حسنا تكونون به خير الأمم نعمة وقوة وعزة ودولة، ويعط كل ذي فضل من علم وعمل جزاء فضله في الآخرة مطردا كاملا، وأما في الدنيا فقد يكون هذا الجزاء جزئيا ناقصا، ومشوبا لا خالصا، ولا يكون عاما كاملا مطردا لقصر أعمال الأفراد، والتعارض والترجيح في سنن الأسباب والمسببات، وهذا من أدلة البعث وجزاء الآخرة الذي يظهر فيه عدله تعالى كاملا شاملا.
وبهذا التفسير الذي وفقنا الله تعالى له يظهر ما بيناه مرارا من أن ثمرة الدين سعادة الدنيا والآخرة كلتيهما، وقد غفل عنه المفسرون الذين يعارضون أمثال هذه النصوص بما جعلوه أصلا يرجعونها إليها بالتأويل كأحاديث ذم الدنيا وتسميتها " سجن المؤمن وجنة الكافر " ١ وما يصح منها كهذا الحديث فهو محمول على النسبة بينهما بالإضافة إلى حال كل منهما في الدنيا والآخرة، وحديث " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " ٢ وهو صحيح أيضا، والبلاء الاختبار- يكون في النعم والنقم، والخير والشر- يظهر استعداد الناس لكل منهما كما تراه قريبا في تفسير الآية ٧ فليس مما نحن فيه مما وعد الله به رسله وبلغوه أقوامهم وصدقه الواقع، فكانت العاقبة للمؤمنين بهم في خلافة الأرض وملكها ونعيمها ما ثبتوا على ذلك، ومنه هذه البشارة ويقابلها قوله تعالى في الإنذار :
وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير أي وإن تتولوا معرضين عما دعوتكم إليه من عبادة الله تعالى وعدم عبادة غيره ومن الاستغفار والتوبة من كل ذنب، فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير هوله، شديد بأسه، وهو أن يصيبكم مثل ما أصاب أقوام الرسل الذين عاندوهم وأصروا على تكذيبهم وعصيانهم، أو ما دونه من عذاب المصرين، وفي إثر نصر الرسول والمؤمنين، وهذه براعة استهلال للقصص المفصلة في هذه السورة، وأكثر المفسرين على أن المراد باليوم الكبير يوم القيامة الذي يكون فيه الجزاء الأكبر وهو المشار إليه في الآية التالية : إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ( ٤ ) }

١ - حديث: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" أخرجه مسلم في الزهد حديث ١، والترمذي في الزهد، باب ١٦، وابن ماجه في الزهد باب٣، وأحمد في المسند ٢/ ١٩٧، ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥..
٢ -لفظ الحديث في الصحاح والسنن: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء"، أخرجه بهذا اللفظ البخاري في المرضى باب ٣، والترمذي في الزهد باب ٥٧، وابن ماجه في الفتن باب ٢٣، والدارمي في الرقاق باب ٦٧، وأحمد في المسند ١/ ١٧٢، ١٧٤، ١٨٠، ١٨٥، ٦/ ٣٦٩..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير