تولوا : تتولوا.
بدأت السورة بحروف الألف واللام والراء ؛ لاسترعاء الأسماع والأذهان لما يأتي بعدها على ما رجحناه في أمثالها، وقد أعقب هذه الحروف :
١ ـ ذكر الكتاب وتنويه بآياته المحكمة المفصلة الواضحة، وتوكيد بأنه أنزل من عند الله الحكيم الخبير أي الذي له في كل أمر حكمة والذي له الخبرة الشاملة بمقتضيات الأمور.
٢ ـ وهتاف بالناس بأن الكتاب إنما أُنزل على هذا الوجه لينبذوا عبادة غير الله، وتقرير عن لسان النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد أرسل إليهم من الله بشيرا ونذيرا يبشرهم بما يكون لهم من حسن العاقبة إذا عبدوا الله وحده، وينذرهم بسوئها إذا هم أشركوا معه غيره.
٣ ـ وهتاف للناس كذلك بأنهم مدعوون إلى طلب الغفران من ربهم عما بدا منهم من انحراف قبل نزول الكتاب وإعلان إنابتهم إليه. ووعد بأنهم إذا استجابوا نالوا رضوان الله ورحمته وبره فيسر لهم المتاع الحسن والحياة السعيدة في الأيام المعينة لهم في الدنيا، وجازى كل ذي فضل وعمل صالح بما يستحقه فضله وعمله. وإنذار موجه من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يخاف عليهم من عذاب يوم القيامة الهائل إذا تصامموا عن الدعوة، فإن مرجعهم إلى الله تعالى وهو قادر على إثابة المحسن ومعاقبة المسيء ؛ لأنه قادر على كل شيء.
قوة استهلال السورة
ولا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول الآيات وهي على ما يلمح من الآيات الآتية مقدمة لذكر مواقف الكفار وحجاجهم. وهي في الوقت نفسه استهلال قوي ببيان مهمة الرسالة المحمدية وأهدافها والدعوة إليها. وفي الآية الثانية توكيد لما مرّ تقريره في السور السابقة وبخاصة في الآية [ ٩٩ ] من السورة السابقة بأن الإيمان بالله وكسب رضائه ونيل غفرانه يضمن لصاحبه المتاع الحسن والحياة السعيدة في الدنيا فضلا عن حسن العاقبة في الآخرة.
تعليق على ما يبدو من كلام
النبي صلى الله عليه وسلم المباشر للناس
والآيات الثلاث الأخيرة كأنما هي موجهة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس، والآية الثانية صريحة بذلك. وقد تكرر هذا الأسلوب أكثر من مرة، والمتبادر أن هذا على اعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخاطب الناس. وجملة وأن استغفروا ربكم معطوفة على ألاّ تعبدوا والعبارة تفيد أن كتاب الله قد أنزل داعيا إلى نبذ عبادة غير الله واستغفاره، وآمرا النبي صلى الله عليه وسلم بالقول للناس إني لكم منه نذير وبشير. فليس في الآيات والحالة هذه أي إشكال. ومع ذلك فإن المؤولين والمفسرين يفرضون محذوفا وهو ( قل ) وهذا سديد متسق مع الحقيقة الإيمانية المقررة بأن جميع ما في القرآن وحي رباني وكلام الله. وهناك آيات كثيرة سبقتها كلمة ( قل ) ولولا ذلك لبدا ما فيها كأنما هو تقرير مباشر من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مرّت أمثلة لذلك في السور التي سبق تفسيرها ومن ذلك آيات عديدة في سورة يونس السابقة لهذه السورة مثل الآيات [ ١٥ و ١٦ و ٣١ و٣٣ و ٣٤ و ٣٥ و ٣٨ و ٤١ و ٥٠ و ٥٢ و ٥٧ و ٥٨ و ١٠٣ و ١٠٥ ]. وفي سورة النمل مثال فيه توضيح أكثر. ففيها هذه الآيات : إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩١ وأَنْ أَتْلُو الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ٩٢ وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ومَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٣ فالمتبادر أن كلمة ( قل ) في الآيتين الثانية والثالثة مقدرة واردة بالنسبة لما في الآية الأولى والشطر الأول من الآية الثانية من كلام يوهم أنه كلام النبي المباشر. وعلى كل حال ففي هذا الأسلوب صورة من صور الوحي والنظم القرآني كما هو المتبادر أيضا.
التفسير الحديث
دروزة