وهنا يقول الحق سبحانه :
وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا( ١ ) حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير( ٣ ) :
وهكذا يبيّن الحق سبحانه أن على العبد أن يستغفر من ذنوبه السابقة التي وقع فيها، وأن يتوب من الآن، وأن يرجع إلى منهج الله تعالى، لينال الفضل من الحق سبحانه.
المطلوب-إذن-من العبد أن يستغفر الله تعالى، وأن يتوب إليه.
هذا هو مطلوب الله من العاصي ؛ لأن درء( ٢ ) المفسدة مقدّم على جلب( ٣ ) المصلحة، وحين يعجل العبد بالتوبة إلى الله تعالى فهو يعلم أن ذنبا قد وقع وتحقق منه، وعليه ألا يؤجل التوبة إلى زمن قادم ؛ لأنه لا يعلم إن كان سيبقى حيا أم لا.
ولذلك يقول الحق سبحانه : وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى.. ( ٣ ) [ هود ]، والحق سبحانه يجمل قضية إتباع منهجه في قوله تعالى : .. فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى( ١٢٣ ) [ طه ]، وقال في موضع آخر : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة.. ( ٩٧ ) [ النحل ] : فالحياة الطيبة في الدنيا وعدم الضلال والشقاء متحققان لمن اتبع منهج الله تعالى.
وظن بعض العلماء أن هذا القول يناقض في ظاهره قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " ( ٤ ). و " إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل( ٥ ) فالأمثل " ( ٦ ).
وقال بعض العلماء : فكيف نقول : يمتعكم متاعا حسنا.. ( ٣ ) [ هود ] : هنا نقول : ما معنى المتاع ؟
المتاع : هو ما تستمتع به وتستقبله بسرور وانبساط.
ويعلم المؤمن أن كل مصيبة في الدنيا إنما يجزيه الله عليها حسن الجزاء، ويستقبل هذا المؤمن قضاء الله تعالى بنفس راضية ؛ لأن ما يصيبه قد كتبه الله عليه، وسوف يوافيه بما هو خير منه.
وهناك بعض من المؤمنين قد يطلبون زيادة الابتلاء.
إذن : فالمؤمن كل أمره خير ؛ وإياك أن تنظر إلى من أصابته الحياة بأية مصيبة على أنه مصاب حقا ؛ لأن المصاب حقا هو من حرم من الثواب.
ونحن نجد في القرآن قصة العبد الصالح الذي قتل غلاما كان أبواه مؤمنين، فخشي العبد الصالح أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فهذا الولد كان فتنة، ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم، ويأتي لهما بالشقاء( ٧ ).
إذن : فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها.
ومنّا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى دمشق، فأصيبت رجله بجرح وتلوث هذا الجرح، وامتلأ بالصديد مما يقال عنه في الاصطلاح الحديث " غرغرينة " وقرر الأطباء أن تقطع رجله، وحاولوا أن يعطوه " مرقّدا " أي : مادة تخدّره، وتغيب به عن الوعي ؛ ليتحمل ألم بتر الساق، فرفض العبد الصالح وقال : إني لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين.
ومثل هذا العبد يعطيه الله سبحانه وتعالى طاقة على تحمّل الألم ؛ لأنه يستحضر دائما وجوده في معية الله، ومفاض عليه من قدرة الله وقوته سبحانه.
وحينما قطع الأطباء رجله، وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها، فطلب أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك، وأمسكها ليقول : اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو، فإني قد عوفيت في أعضاء.
إذن : فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء عليها، إنما يحيا في متعة، ولذلك لا تتعجب حين يحمد أناس خالقهم على المصائب ؛ لأن الحمد يكون على النعمة، والمصيبة( ٨ ) قد تأتي للإنسان بنعمة أوسع مما أفقدته.
ولذلك نجد اثنين من العارفين بالله وقد أراد أن يتعالم كل منهما على الآخر ؛ فقال واحد منهما : كيف حالكم في بلادكم أيها الفقراء ؟
-والمقصود بالفقراء هم العبّاد الزاهدون ويعطون أغلب الوقت لعبادة الله تعالى-فقال العبد الثاني : حالنا في بلادنا إن أعطينا شكرنا، وإن حرمنا صبرنا.
فضحك العبد الأول وقال : هذا حال الكلاب في " بلخ " ( ٩ ) أي : أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله، وإن منعه أحد فهو يصبر.
وسأل العبد الثاني العبد الأول : وكيف حالكم أنتم ؟ فقال : نحن إن أعطينا آثرنا( ١٠ )، وإن حرمنا شكرنا.
إذن : فكل مؤمن يعيش في منهج الله سبحانه وتعالى فهو يستحضر في كل أمر مؤلم وفي كل أمر متعب، أن له جزاء على ما ناله من التعب ؛ ثوابا عظيما خالدا من الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الحق سبحانه : يمتعكم متاعا حسنا.. ( ٣ ) [ هود ] : والحسن هنا له مقاييس، يقاس بها اعتبار الغاية ؛ فحين تضم الغاية على الفعل تعرف معنى الحسن.
ومثال ذلك : هو التلميذ الذي لا يترك كتبه، بل حين يأتي وقت الطعام، فهو يأكل وعيناه لا تفارقان الكتاب.
هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح وحسنه ونعيم التفوق، وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل.
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية : ويؤت كل ذي فضل فضله.. ( ٣ ) [ هود ] : أي : يؤتي كل ذي فضل مجزول( ١١ ) لمن لا فضل له، فكأن الحق سبحانه ينمي الفضل للعبد.
ومثال ذلك : الفلاح الذي يأخذ من مخزن غلاله إردبا من القمح لينذره في الأرض ؛ ليزيده الله سبحانه وتعالى بزراعة هذا الإردب، ويصبح الناتج خمسة عشر إردبا.
والفضل هو الجر الزائد عن مساويه، فمثلا هناك فضل المال قد يكون عندك، أي : زائد عن حاجتك، وغيرك لا يملك مالا يكفيه، فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك، وأعطيته لمن لا مال عنده فأنت تستثمر هذا العطاء عند الله سبحانه وتعالى.
والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة، فتعطي ما يزيد منها لعبد ضعيف.
وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ( ١٢ ) عليك فضلا من الحلم، فتعطي منه لمن أصابه السفه وضيق الخلق.
إذن : فكل ما يوجد عند الإنسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس، ويفيضها عليهم، فهي تزيد عنده لأنها تربو( ١٣ ) عند الله، وأن لم يفضها على الغير فهي تنقص.
ولذلك يقول الحق سبحانه : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون( ١٤ )( ٣٩ ) [ الروم ].
ويقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها : ويؤت كل ذي فضل فضله.. ( ٣ ) [ هود ].
وبعض من أهل المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأن الإنسان الذي يفيض على غيره مما آتاه الله، يعطيه الحق سبحانه بالزيادة ما يعوضه عن الذي نقص، أو أنه سبحانه وتعالى يعطي كل صاحب فضل فضل ربه، وفضل الله تعالى فوق كل فضل. ثم يقول الحق سبحانه : .. وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير( ٣ ) [ هود ] : فإن أعرضوا عنك فأبلغهم أنك تخاف عليهم من عذاب اليوم الآخر، ويوصف العذاب مرة بأنه كبير، ويوصف مرة بأنه عظيم، ويوصف مرة بأنه مهين ؛ لأنه عذاب لا ينتهي ويتنوع حسب ما يناسب المعذب، فضلا عن أن العذاب الذي يوجد في دنيا الأغيار هو عذاب يجري في ظل المظنة بأنه سينقضي، أما عذاب اليوم الآخر فهو لا ينقضي بالنسبة للمشركين بالله أبدا.
٢ الدرء: الدفع والإبعاد..
٣ الجلب: سوق الشيء من موضع إلى آخر. وجلب الشيء: طلبه وكسبه.[لسان العرب: مادة (ج ل ب)]..
٤ أخرجه مسلم في صحيحه(٢٩٥٦) وابن ماجه في سننه(٤١١٣) من حديث أبي هريرة. قال النووي في شرح مسلم(١٨/٣٠٥):"معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان. وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قتله وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد"..
٥ الأمثل فالمثل: أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة. يقال: هذا أمثل من هذا، أي: أفضل وأدنى إلى الخير. وأماثل الناس: خيارهم.[لسان العرب-مادة: مثل]..
٦ أخرجه أحمد في مسنده(١/١٧٢) والترمذي في سننه(٢٣٩٨) وابن ماجه(٤٠٢٣) من حديث سعد ابن أبي وقاص. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وتمام الحديث:"ويبتلى الرجل على حسب دينه، وما زال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض، ليس عليه خطيئة"..
٧ يقول رب العزة سبحانه في سورة الكهف عن موسى عليه السلام والعبد الصالح الذي صحبه موسى ليتعلم منه:فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت نكرا(٧٤) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا(٧٥)[الكهف]. ويقول سبحانه على لسان العبد الصالح:.. سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا(٧٨) أما السفينة فكانت لمساكين يعلمون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا(٧٩) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا(٨٠) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما(٨١)[الكهف]..
٨ قال الشيخ:"ذل البلاء خير من عزة النعماء"..
٩ بلغ: مدينة من مدن خراسان من بلاد ما وراء النهر..
١٠ أي: عن نالنا العطاء فإننا نؤثر غيرنا به. أي: نفضلهم على أنفسنا..
١١ الجزل: الكثير العظيم من كل شيء، والجزل الكريم المعطاء[المعجم الوسيط: مادة (ج ز ل)]..
١٢ أسبغ: أنعم وأجزل العطاء. وسبوغ الشيء: تمامه واتساعه.[المعجم الوسيط: مادة (س ب غ) بتصرف]. وقال تعالى:وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة..(٢٠)[لقمان]..
١٣ ربا الشيء يربوا: زاد ونما، وأربيته: نميته..
١٤ أضعف الرجل: نما ماله وزاد واتسع، فصار أضعافا. واسم الفاعل مضعف:.. فأولئك هم المضعفون(٣٩)[الروم] أي: الذين يأخذون ثواب أعمالهم أضعافا مضاعفة. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية (٣/٤٣٤):"أي: من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله. بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والشعبي، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك واستدل بقوله تعالى:ولا تمنن تستكثر(٦)[المدثر]. أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه.
وقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح، يعني: ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها ثم تلا هذه وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله..(٣٩)[الروم] وإنما الثواب عند الله في الزكاة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي