قوله: الر قد تقدم الكلام عليها.
وقولهم: " قَرَأتُ هوداً ": من صرفه أراد به سورة هود، ومن لم يصرفه جعله اسماً للسورة.
ولو قلت: " قرأت الحمد (لله) ". فإنما جاز النصب: تُعْمِلُ الفعل فيه، وجاز الرفع على الحكاية.
فإن قلت: قرأتُ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين [الفاتحة: ٢، يونس: ١٠، الزمر: ٧٥، غافر: ٦٥]، حكاية لا غير، وكذلك بَرَآءَةٌ [التوبة: ١، القمر: ٤٣]، ترفع على الحكاية، وتنصب على العمل. وتنوِّنُ إذا أردت الحذف، ولا
تصرف إذا جعلته اسماً للسورة.
فإن قلت: قرأتَ بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ [التوبة: ١]، حكاية لا غير.
وتقول: قرأت " ألم البقرة ": فتنصِبُ على النعت لقولك: " ألم "، لأنه مفعول به بقراءةٍ، وإن شئت خفضتَ " البقرة "، وتقدّر إضافة " ألم " إليها.
فإن قلت: " قرأت: المص [الأعراف: ١]، و كهيعص [مريم: ١]، لم يجز الإعراب، لأنه ليس في الأسماء نظير لهذا. وكذلك المر [الرعد: ١]، و الر [١: هود، يوسف، إبراهيم، الحجر]، وكذا طه [طه: ١] لأنه في آخرها ألفاً.
فإن قلت: طس [النمل: ١]، قلت هذا " طسين " يا هذا، فلا تصرف لأن هذا من نظيره هابيل، وقابيل.
فإن أردت الحكاية، أسكنت، وتقول هذه طسم [الشعراء: ١، القصص: ١] فتُعْرِبُ: إن شئت تجعل " طس " اسماً، و " ميم " اسماً، وتضم أحدهما إلى الآخر مثل: معدي كرب، فيجوز فتح الثاني ورفعه تجعل الإعراب في الآخر.
وأجاز سيبويه: مَعْدِي كرب على الإضافة، فيجوز على هذا، " طس ميم "، وتحسن الحكاية. فإن قلت: " قرأت حم [١: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف] "، لم ينصرف لأنه مثل " هابيل ". وإن شئت أسكنت على الحكاية.
فإن قلت قرأت حم* عسق [الشورى: ١ - ٢] لم يجز الإعراب، لأنه لا نظير له في الأسماء.
وتقول هذه ن [القلم: ١] فاعلم بأنها تُنَوَّن، وتُعْرَبُ " تريد سورة " نون ". وإن شئت جعلته اسماً للسورة، فلم تنونْ، وإن شئت أسكنت على الحكاية. وتقول: هذه السبح، فلا تصرف إذا جعلته اسماً للسورة، لأنه فعلٌ، وليس في الأسماء فعلٌ.
وإن شئت فتحتَ فَحَكَيْتَ على ما في السورة، فإن قلت هذه " سِبحْ " لم يجز إلا الإسكان تحكيه لأنه فيه ضمير، والجمل تحكى، وكذلك تحكي: قرأت: سَأَلَ سَآئِلٌ [المعارج: ١]، و يا أيها المدثر [المدثر: ١]، وقرأت والفجر [الفجر: ١] لأنه اسم وحرف.
وتقول: قرأت اقتربت [القمر: ١] تقطع الألف، وتقف على الهاء، إذا جعلته اسماً للسورة / لأن تأنيث الأسماء في الوقف بالهاء، وألف الوصل في الأفعال تقطع إذا سمي بالأفعال. وإن شئت قلت: قرأت اقتربت فوصلت الألف ووقفت بالتاء، على الحكاية.
فإن قلت: قرأت اقتربت الساعة [القمر: ١]، لم يجز إلا الحكاية به ومثلُه:
تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١]، فإن أفردت بالهاء، وجعلتهُ اسماً للسورة قلت: قرأت " تبَّت "، تقِفُ على الهاء.
قوله: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ - آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ - إلى قوله - على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
المعنى: هذا الكتاب الذي أنزلناه أُحْكِمَتْ - آيَاتُهُ: أي: بالأمر والنهي، ثُمَّ فُصِّلَتْ بالثواب، والعقاب. قاله الحسن. وعنه ثُمَّ فُصِّلَتْ أي:
الوعد، والوعيد.
وعنه أيضاً: أُحْكِمَتْ أي: بالثواب والعقاب ثُمَّ فُصِّلَتْ بالأمر، والنهي.
وقال قتادة: أحكمها الله تعالى، من الباطل، ثم فصلها، وبيَّنَ الحلال، والحرام.
وقال مجاهد: أُحْكِمَتْ: لم ينسخها شيء.
ثُمَّ فُصِّلَتْ نزلت شيئاً بعد شيء. وقيل: فُصِّلَتْ: فُسِّرت وبيِّنت: قاله مجاهد، وابن جريج.
مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ: أي: من عند حكيم في أفعاله، خبير بجميع الأشياء، وبمصالح عباده.
وقيل: أحكمت عن أن يدخل فيها الفساد. يقال: أَحْكَمَتْهُ الآيات.
وحكمته لغتان: أي: مَنَعْنَهُ، ومنه حَكَمت اللجام لأنها تمنع الفرس الجماح. وأصله كله من إحكام الشيء، وهو: إبرامه، وإتقانه، عن أن يفسده شيء.
والوقف على الر حسن إلا قول من جعله مبتدأه وكتاب خبره.
ثم قال تعالى: أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله أي: فصلت من (أجل) ألا تعبدوا إلا الله تعالى.
ثم قال لنبيه: قل إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ: أيها الناس. والابتداء بـ " إنني " حسن، ثم قال تعالى: وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ. رداً على أَلاَّ تعبدوا: أي: استغفروه من عبادة الأصنام ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ: من عبادة الأصنام، أي: ارجعوا، يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً أي: ينسئ في آجالهم إلى الوقت الذي يشاء، ويرزقكم من زينة الدنيا. وأصل الإمتاع: الإطالة. ثم قال: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ: أي: يثيب من تفضل بفضل ماله، أو قوته، أو
كلام حسن، أو غير ذلك من وجوه الخير على غيره لوجه الله تعالى.
قال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت واحدة، ومن عمل حسنة كتبت عشراًَ، فذلك فضل الله، تعالى. قال: فإن عوقب بالسيئة في الدنيا زالت عنه، وإن لم يعاقب بها أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات.
ثم قال تعالى: وَإِن تَوَلَّوْاْ: أي: عما دَعَوتهم إليه يا محمد من الاستغفار، والتوبة، فقل لهم: فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ: أي: إن تماديتم على كفركم.
وقال الطبري: المعنى: فإن توليتم، جعله ماضياً وهو على قراؤة البزي: " مستفعل "، لأنه يشدد / التاء.
ثم قال: إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ: أي: مردكم، ومصيركم، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي