وهنا بين الحق مواجيد إبراهيم عليه السلام حين قال : وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف.. ( ٧٠ ) [ هود ].
وجاء بالمعنى النزوعي حين قال : قالوا سلاما قال سلام.. ( ٦٩ ) [ هود ] : وهو حين التأكيد والتثبيت.
وقال الحق سبحانه : .. فما لبث أن١ جاء بعجل حنيذ ( ٦٩ ) [ هود ] : وهو : العجل السمين المشوي على الحجارة ؛ لأن الشواء- كما نعلم- قد يكون على اللهب أو على الفحم، أو على الحجارة.
ومثل ذلك يحدث في البلاد العربية حين يأتون بحجر رقيق جدا، ويحمونه على النار، ثم يشوون عليه اللحم، وهذا ما يضمن عدم حدوث تفاعلات بين اللحم والحجر ؛ لأن هناك تفاعلات تحدث من الحديد أو من الفحم ؛ ولذلك فهذه أنظف طريقة للشواء.
أو أن كلمة : .. بعجل حنيذ ( ٦٩ ) [ هود ] : أي : ينزل منه الدهن بعد الشواء.
وقول الحق سبحانه : .. فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ( ٦٩ ) [ هود ] : لأن طبيعة سيدنا إبراهيم عليه السلام هي محبة الضيوف وإكرامهم.
ومن عادة الكرام أن يعجلوا بإكرام الضيف٢، وتقديم الطعام له، والكريم هو من يفعل ذلك ؛ لأنه لا يعلم ما قد مر على الضيف دون طعام، فإن كان الضيف جائعا ؛ أكل، وإن كان شبعان فهو يعلن ذلك.
ويقول الحق سبحانه ما حدث بعد أن جاء لهم إبراهيم عليه السلام بالعجل المشوي : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم٣ وأوجس٤ منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ( ٧٠ ) .
وحين رأى إبراهيم أن أيديهم لا تصل إلى الطعام توجس من ذلك شرا ونكرهم، أي : استنكر أنهم لم يأكلوا من طعام قدمه لهم، فهل علم إبراهيم أنهم ملائكة ؟
لقد علم إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة من كلامهم.
وقد بين ذلك قول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآني : إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ( ٥٢ ) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ( ٥٣ ) قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ( ٥٤ ) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين٥ ( ٥٥ ) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ( ٥٦ ) قال فما خطبكم أيها المرسلون ( ٥٧ ) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ( ٥٨ ) [ الحجر ] :
إذن : فهم لم يقولوا له مثلما قالوا للوط عليه السلام : إنا رسل ربك.. ( ٨١ ) [ هود ].
وهنا حين قالوا لإبراهيم عليه السلام : .. لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ( ٧٠ ) [ هود ] : أي : أنهم فهموا أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم ملائكة ؛ لأن الملك قد يتشكل في هيئة إنسان، مثلما تشكل جبريل عليه السلام أمام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك الجن لهم قدرة على التشكيل، إلا أن هناك فارقا بين تشكل الملك وتشكل الجن، فالجن إن تشكل تحكمه الصورة، فإن تشكل في صورة رجل فيمكنك أن تمسك به وتؤذيه.
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
" إن عفريتا من الجن تفلت٦ البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان :
قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ( ٣٥ ) [ ص ].
فرددته خاسئا " ٧. إذن : إذا تشكل الجن حكمته الصورة، ويمكن أن نضربه مثلا، أما الملاك إذا تشكل فالصورة لا تحكمه.
وحكم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من مخاوفنا، وهو أيضا يخاف منا مثلما نخاف منه، ولذلك لا يظهر الجني متشكلا في صورة إلا لحظة قصيرة ليختفي على الفور ؛ لأنه يخاف أن تكون قد علمت أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به ؛ لذلك فالجن يخافون من البشر.
وشاء الحق سبحانه ذلك الأمر حتى لا يفزع الجن الناس.
وهنا يقول الحق سبحانه : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم... ( ٧٠ ) [ هود ] :
وكلمة نكرهم تقتضي أن ننظر في مادة النون والكاف والراء " وكلمة " نكر " وكلمة " أنكر " كلتاهما مستعملة في القرآن٨.
والشاعر يقول :
وأنكرتني وما كان الذي نكرت٩ **** من الحوادث إلا الشيب والصلعا
والاستعمال اللغوي يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات، أي : ينكرها الإنسان بفطرته.
وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلام أن أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم، وأوجس في نفسه خيفة، فلاحظوا ذلك، وقالوا : .. لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ( ٧٠ ) [ هود ] : وهذا عرف لمن جاءوا، واطمأن ان قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب، وخصوصا أن كتب التاريخ تقول : إن امرأة إبراهيم عليه السلام قالت له : ألا تضم ابن أخيك إلى كنفك١٠ هنا ؛ لأن قومه يوشك أن يعمهم الله بالعذاب.
وحين سمعت أن الرسل إنما جاءت إلى قوم لوط سرت من فراستها١١ وتبسمت لأنها تنبهت إلى هذه المسألة.
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه : قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ( ٣٢ ) لنرسل عليهم حجارة من طين ( ٣٣ ) مسومة١٢ عند ربك للمسرفين ( ٣٤ ) [ الذاريات ].
٢ - وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٠١٨) وكذا مسلم في صحيحه (٤٧)..
٣ - نكرة: استوحش منه ونفر منه ولم يأنس به. [القاموس القويم] تقول: نكرتك وأنكرتك واستنكرتك إذا وجدته على غير ما عهدته. راجع القرطبي (٤/ ٣٣٨٤)..
٤ -وجس وأوجس: فزع. وأوجس في نفسه: أضمر الخوف في نفسه، وقوله تعالى: وأوجس منهم خيفة..(٧٠) [هود] أي: أحس الفزع والخوف. وقال تعالى: فأوجس في نفسه خيفة موسى (٦٧) [طه] أي: أضمر الخوف في نفسه حين رأى أعمال السحرة. [القاموس القويم]..
٥ - القانطون: الذين انقطع أملهم في الخير أو يئسوا منه. والقنوط: صيغة مبالغة، أي: شديد اليأس معدوم الأمان. [القاموس القويم]..
٦ - تفلت: أي: تعرض لي فلتة أي: بغتة..
٧ - أخرجه البخاري في صحيحه (٣٤٢٣) ومسلم في صحيحه (٥٤١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٨ - كلمة "نكر" وردت في قوله تعالى: فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم...(٧٠) [هود]. وقال تعالى عن سليمان: قال نكروا لها عرشها..(٤١) [النمل]. أما أنكر، فقد قال تعالى: ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (٨١) [غافر] وقال تعالى: ومن الأحزاب من ينكر بعضه...(٣٦) [الرعد]، وقوله تعالى: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (٨٣) [النحل]..
٩ - جمع الشاعرين بين اللغتين: ويقال: نكرت لما تراه بعينيك وأنكرت لما تراه بقلبك، قاله القرطبي في تفسيره (٤/٣٣٨٤)..
١٠ - الكنف والكنفة: ناحية الشيء. وكنف الرجل الرجل جعله في كنفه أي: في حفظه وإعانته، وكنفت الرجل: حطته وصنته. [راجع لسان العرب]..
١١ - الفراسة: الفطنة في النظر والتثبت والتأمل للشيء والبصر به، والتفرس: أن تتوسم أمرا ما في شخص ما فيكون كما توسمت، وهذا يكون بأحد أمرين.
١-ما يوقعه الله في قلوب أوليائه بنوع من المكاشفات.
٢-ما يتعلم الدلائل والتجارب فتعرف بها أحوال الناس. [راجع لسان العرب] مع زيادة عندنا..
١٢ - مسومة عند ربك...(٣٤) [الذاريات] أي: عليها خواتيم بأسماء المعذبين. وسوم على القوم: أغار عليهم فعاث فيهم بالإفساد والإهلاك. قال تعالى: .. يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (١٢٥) [آل عمران] أي: معلمي أنفسهم وخيلهم بعلامات، أو مغيرين على الكفار، وقوله تعالى: والخيل المسومة.. (١٤) [آل عمران] أي: المرسلة للرعي، أو المعلمة بعلامات. وقوله تعالى: سيماهم في وجوههم..(٢٩) [الفتح]. أي: علامات إيمانهم نور في وجوههم. [القاموس القويم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي