ﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

حَتّى جاءَ بعجل حنيذ، وقيل: إنها في محل نصب بسقوط حرف الجر، والتقدير: فما لبث إبراهيم عن أن جاء؛ أي: فما أَبْطَأَ إبراهيم عن مجيئه بعجل حنيذ. و (ما) نافية قاله سيبويه. وقال الفراء: فما لبث مجيئه؛ أي: ما أبطأ وتأخر مجيئه بعجل حنيذ. وقيل: إن (ما) موصولة، وهي مبتدأ، والخبر أَنْ جاءَ بعجل حنيذ، والتقدير: فالذي لَبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ؛ أي: قدر زمان مجيئه به. والحنيذ: المشويُّ مُطْلقًا. وقيل: المشوي بحَرِّ الحجارة من غير أن تمَسَّه النار، يقال: حَنِذَ الشاةَ يحنذها جعلها فَوْقَ حجارة محماةٍ لتنضجها فهي حنيذ. وقيل: معنى (حنيذ): سمين. وقيل: الحَنِيذُ: السَّمِيطُ. وقيل: النَّضيجُ، وهو فعيل يمعنى مفعول كما سيأتي في مباحث الصرف.
وقد (١) اهتدى البشر إلى شَيِّ اللحم مِنْ صيدٍ وغيره على الحجارة المُحَمَّاة بِحَرِّ الشمس قديمًا قبل الاهتداء إلى إنضَاجِه بالنار. وجاء في سورة الذاريات: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧). وفي هذا دليل على أنه كان مَشْوِيًّا مُعَدًّا لِمَنْ يجيء من الضُّيوف، وربما كان قد شَوِيَ عند وصولهم بلا إبْطاءٍ.
٧٠ - فلما قرب إليهم، ووضع بين أيديهم كفوا عنه فَلَمَّا رَأَى إبراهيم أَيْدِيَهُمْ؛ أي: أيدي الرسل لَا تَصِلُ إِلَيْهِ؛ أي: لا تمتد إلى الطعام الذي قَدَّم إليهم نَكِرَهُمْ؛ أي: أنكر إبراهيم ذلك منهم، ووجده على غير ما يعهد من الضيوف، ولم يعرف سبب عدم تناولهم منه، وامتناعهم عنه، فالعادة قد جرت أنَّ الضيفَ إذا لم يطعم مما قدم إليه.. ظنَّ أنه لم يَجِىء بخير، وأنه يُحْدِّثَ نَفْسُه بشرٍّ، وَأَوْجَسَ إبراهيم؛ أي: أحس وأدرك إبراهيم مِنْهُمْ؛ أي: من جهتهم خِيفَةً؛ أي: خوفًا في نفسه؛ أي: أحسَّ وعلم في نفسه فزعًا وخوفًا منهم حين شعر أنهم ليسوا بشرًا، ووقع في نفسه أنهم ملائكة، وأنَّ نزولَهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه.
والوجس رعب القلب (٢)، وإنما خاف إبراهيمُ عليه السلام منهم؛ لأنه كان

(١) المراغي.
(٢) الخازن.

صفحة رقم 164

حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي

راجعه

هاشم محمد علي مهدي

الناشر دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
سنة النشر 1421
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية