ففصل بالظرف بين المشرك في النصب وما أشركه فيه، فإذا قبح هذا فالوجه أن تحمل قراءة حمزة يَعْقُوبَ بالنصب على فعل آخر مضمر يدل عليه (بشرنا) كما تقدم، ولا يحل على الوجهين الآخرين لاستوائهما في القبح (١).
٧٢ - قوله تعالى: قَالَتْ يَا وَيْلَتَى. قال أبو إسحاق (٢): الأصل فيه يا ويلتي فأبدل من الياء والكسرة [الألف؛ لأن الألف أخف من الياء والكسرة] (٣)، وقد ذكرنا مثل هذا في قراءة من قرأ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ [هود: ٤٢] بفتح الياء، قال (٤): والاختيار في الكلام إن وقف عليه بالهاء "يا ويلتاه" فأما المصحف فلا يخالف، ويوقف إذا (٥) اضطر واقف بغير هاء، وذكرنا معنى هذا النداء في قوله تعالى: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ [المائدة: ٣١] (٦)، وهذه الكلمة إنما تقال عند الإيذان بورود الأمر الفظيع.
وقوله تعالى: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ، قال الليث (٧): العجوز المرأة الشيخة والجميع العجز والعجائز، والفعل عجزت تعجز عجزًا، وعجّزت
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٦٣.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٤) القائل أبو إسحاق الزجاج في الموضع السابق ٣/ ٦٣.
(٥) في (ي): (إن).
(٦) وقد نقل هناك عن الزجاج قوله: المعنى يا ويلتا تعالى، فإنه من إبّانك، أي: قد لزمني الويل، قال: والوقف في غير القرآن: يا ويلتاه. اهـ. وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٦٧.
(٧) "تهذيب اللعة" (عجز) ٣/ ٢٣٣٧.
تعجِّز تعجيزًا فهي مُعَجِّزة والتشديد أكثر، قال يونس (١): امرأة مُعجِّزة: طعنت في السن، ويقال للمرأة [اتقي الله في شبيبتك وعجزك.
قال ابن الأعرابي (٢): ويقال للمرأة] (٣) عجوزة بالهاء أيضًا.
قال ابن إسحاق (٤): كانت (٥) ابنة تسعين سنة، وقال عطاء ومجاهد (٦): تسع وتسعين سنة، جعل الله -عز وجل- الولد على تلك الحال معجزًا لنبيه إبراهيم -عليه السلام -، وإنما تعجبت من مقدور الله تعالى -مع إيمانها- بطبع البشرية إذا ورد مثلُ هذا على النفس من غير فكر ولا روية، كما ولى موسى عليه السلام مدبرًا حتى قيل له: أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ [القصص: ٣١].
وقوله تعالى: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا، ذكرنا معنى البعل والبعولة في سورة البقرة (٧) والنساء (٨)، وقال عطاء ومجاهد (٩): كان إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت ابن مائة سنة.
(٢) "تهذيب اللغة" (عجز) ٣/ ٢٣٣٧.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤) الطبري ١٢/ ٧٧، الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٩، "زاد المسير" ٤/ ١٣٣، القرطبي ٩/ ٧٠.
(٥) ساقط من (ي).
(٦) الثعلبي ٧/ ٤٩ ب، البغوي ٤/ ١٨٩، "زاد المسير" ٤/ ١٣٢، القرطبي ٩/ ٧٠.
(٧) البقرة: ٢٢٨.
(٨) النساء: ١٢٨. وخلاصة ما ذكره أن المراد بالبعل الزوج، وإنما سمي بذلك لأحد أمرين: إما لأنه مستبعل لها وقد غلطه الأزهري، وإما لأنه سيدها ومالكها. وانظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٣٦٣ (بعل).
(٩) الثعلبي ٧/ ٥٠ أ، البغوي ٤/ ١٨٩، "زاد المسير" ٤/ ١٣٢.
وقال ابن إسحاق (١): ابن عشرين ومائة سنة. وقال الكلبي (٢): ابن تسع وتسعين سنة.
قال أبو إسحاق (٣): (شيخا) منصوب على الحال، والحال هاهنا نصبه من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإذا كنت تقصد أن تخبر من لم يعرف زيدًا أنه زيد لم يجز هذا؛ لأنه لا يكون زيدًا ما دام قائمًا فإذا زال عن القيام فليس يزيد، وإنما تقول للذي يعرف زيدًا هذا زيد قائمًا فيعمل في الحال التنبيه، المعنى (٤): انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه. قال ابن الأنباري (٥): وهذا إنما وقعت الإشارة معه إلى الشيخوخة، أي: تنبهوا على شيخوخة بعلي، كما يقول القائل: هذا الله لطيفًا كريمًا. يريد تنبهوا على لطفه وكرمه، وما يجهله -عز وجل- ذو عقل وتمييز.
وقوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ، العجيب بمعنى المُعْجِب يقال: أعجبني الشيء فهو معجب وعجيب، قال ابن عباس (٦): يريد أن يولد لابن مائة سنة ولكبرها وأنها حرمت الولد في شبابها وأعطيته في كبرها.
(٢) "تنوير المقباس" ص ١٤٣، "زاد المسير" ٤/ ١٣٢.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٦٣، وانظر: "تهذيب اللغة" (بعل) ١/ ٣٦٢.
(٤) ساقط من (ب).
(٥) "زاد المسير" ٤/ ١٣٢.
(٦) قال به الطبري ١٢/ ٧٧، "زاد المسير" ٤/ ١٣٣، القرطبي ٩/ ٧٠.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي