ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

قوله تعالى : توفني مسلما وألحقني بالصالحين :
اختلف هل في هذه الآية تمني الموت أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنه ليس فيها تمني موت ١ وأن معناها توفني مسلما وألحقني بالصالحين ٢ متى توفيتني. فالآية على هذا محكمة بلا خلاف ٣. وقيل فيها تمني الموت. قال ابن عباس : لم يتمن الموت نبي قط غير يوسف ٤. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا هل الآية منسوخة أم محكمة ؟ فذهب جماعة إلى أن حكمها باق ٥ وأن يوسف تمنى الموت تشوقا إلى ربه، قالوا وهذا جائز أن يتمنى الإنسان الموت إما تشوقا وإما خوفا على دينه، فأما لضر نزل به فلا. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " ٦ وهذا ضعيف لأن خبر الآحاد لا ينسخ به٧ القرآن. وأيضا فإن في الحديث لضر نزل به، وليس في الآية ضر نزل بيوسف عليه السلام. فإن أرادوا أن الآية محمولة على ذلك وأن الحديث نسخها فهذا تحكم ظاهر الفساد. وإن أرادوا أن تمني الموت لا يجوز عمله على أي حال كان، وإن إباحته منسوخة بالحديث فليس كذلك ٨ لأنه قد قيد في الحديث ولم يقيد في الآية. فتحمل الآية على ما يصح ويحمل الحديث في الذي جاء فيه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض دعائه : " وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون " ٩ وقال عليه الصلاة والسلام : " يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ليس به الدين ولكن ما يرى من البلاء والفتن " ١٠. فقوله ليس به الدين يدل على إباحة ذلك، أن لو كان على الدين وقد دعا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالموت فقال : اللهم قد رق عظمي وانتشرت رعيتي فتوفني غير مقصر ولا عاجز ١١ وقد دعا به علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز. فهذا كله دليل على إباحة الدعاء بالموت إذا لم يكن لضر نزل. والضر الذي ينزل يراد به ضر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك. وكل ما ذكرناه في هذه السورة فإنما يصح على قول من يرى شريعة من قبلنا لازمة لنا ما لم يرد ناسخ١٢.

١ في (أ)، (ز): "النور"..
٢ "وألحقني بالصالحين" كلام ساقط في (أ)، (ب)، (د)، (ز)..
٣ نسب ابن عطية هذا القول إلى المهدوي. راجع المحرر الوجيز ٩/ ٣٨٢..
٤ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٩/ ٣٨٢..
٥ في (أ)، (ز): "أنها محكمة وحكمها باق"..
٦ راجع الحديث في فتح الباري لابن حجر. كتاب الدعوات ١١/ ١٢٦..
٧ "به" ساقط في (أ)، (ز)..
٨ في (ح) زيادة "الآية"..
٩ الحديث رواه مالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب: العمل في الدعاء ١/ ١٤٤..
١٠ الحديث رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه". راجع الموطأ، كتاب الجنائز، باب: جامع الجنائز ١/ ١٥٩..
١١ الأثر: أخرجه الحاكم، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٢٤. وأخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجل ٢/ ١٨٠..
١٢ "ما لم يرد ناسخ" كلام ساقط في غير (ح).
راجع نحو ذلك في الإيضاح ص ٢٨٣، وفي المحرر الوجيز ٩/ ٣٨٢ – ٣٨٤..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير