وجاؤوا أباهم عِشَاءَ آخر النهار، وقرئ عُشي بضم العين والقصر، جمع أعشى، أي : عُشي من البكاء. فجاؤوا إليه يبكُون أي : متباكين. روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال : يا بني، أين يوسف ؟.
وهذا إنما يكون بالتوبة النصوح، والنهوض التام، والمجاهدة الكبيرة، كما فعل إبراهيم بن أدهم، والفضل بن عياض، والشيخ أبو يعزى، وغيرهم ممن كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً. قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَن لَم يَغلِب نَفسَه وَهَواه فَليس لَهُ حَظٌ في عُقبَاه ". وأنشدوا :فَلما قَسَا قَلبي وَضَاقَت مَذَاهِبِي جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا
وفيها أيضاً : تنويه بمقام الصابرين وعاقبة المتقين، فإن يعقوب عليه السلام، لما استعمل الصبر الجميل، جمع الله شمله بولده مع ما أعد له من الثواب الجزيل. ويوسف عليه السلام، لما صبر على ما أصابه من المحن ؛ عوضه العز الدائم بترادف المنن. وفي الخبر :" أعلى الدرجات درجات الصابرين ". لكل عمل ثواب محدود، وثواب الصابرين غير محدود ولا معدود. قيل : إن الله تعالى أعطى لكل صابر قصراً في الجنة مسيرة الشمس أربعين يوماً، من درة بيضاء معلقة في الهواء، ليس تحته دعامة، ولا فوقه علاقة، وله أربعة آلاف باب، يدخل من كل باب سبعون ألف ملك، يسلمون على صاحبه ولا ترجع النوبة إليهم أبداً. هـ. جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخَوفَ والرَّجَا جَبَانٌ وتَرجُوا أن تُلقَّبَ فَارساً مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي