ﭤﭥﭦﭧ

وهنا تتجلى لنا قدرة أداء القرآن أداء دقيقا معبرا عن الانفعالات التي توجد في النفس الإنسانية، فها هم إخوة خدعوا أباهم ومكروا بأخيهم، وأخذوه وألقوه في الجب مع أنهم يعلمون أن أباه يحبه، وكان ضنينا١ أن يأتمنهم عليه، فكيف يواجهون هذا الأب ؟
هذا هو الانفعال النفسي الذي لا تستطيع فطرة أن تثبته ؛ فقالوا : نؤخر اللقاء لأبينا إلى العشاء : والعشاء محل الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب ؛ ومن مناقضة كذب ألسنتهم ؛ لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث ؛ بل بحديث مختلق٢.
وقد تخدعهم حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم ؛ فقالوا : الليل أخفى للوجه من النهار، وأستر للفضائح ؛ وحين ندخل على أبينا عشاء ؛ فلن تكشفنا انفعالاتنا.
وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي يتوارون فيه من أحداثهم :
وجاءوا أباهم عشاء يبكون ( ١٦ ) [ يوسف ]
والبكاء انفعال طبيعي غريزي فطري ؛ ليس للإنسان فيه مجال اختيار ؛ ومن يريد أن يفتعله فهو يتباكى، بأن يفرك عينيه، أو يأتي ببعض ريقه ويقربه من عينيه، ولا يستر ذلك إلا أن يكون الضوء خافتا ؛ لذلك جاءوا أباهم عشاء يمثلون البكاء٣.
والحق سبحانه حينما تكلم عن الخصائص التي أعطاها لذاته، ولم يعطها لأحد من خلقه ؛ أعلمنا أنه سبحانه هو الذي يميت ويحي، وهو الذي يضحك ويبكي.
والحق سبحانه هو القائل :
وأنه هو أضحك وأبكى ( ٤٣ ) وأنه هو أمات وأحيا ( ٤٤ ) [ النجم ]
ولا يوجد فرق بين ضحك أو بكاء إنسان إنجليزي وآخر عربي ؛ ولا يوجد فرق بين موت أو ميلاد إنسان صيني وآخر عربي أو فرنسي ؛ فهذه خصائص مشتركة بين كل البشر.
وإذا ما افتعل الإنسان الضحك ؛ فهو يتضاحك ؛ وإذا ما افتعل الإنسان البكاء فهو يتباكى ؛ أي : يفتعل الضحك أو البكاء، والذي يفضح كل ذلك هو النهار.
والتاريخ يحمل لنا الكثير من الحكايات عن اتخاذ الليل كستار للمواقف ؛ والمثل في سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه ؛ حين جاءت موقعة كربلاء، ورأى العدى وقد أحاطه به ؛ ورأى الناس وقد انفضوا عنه بعد أن دعوه ليبايعوه، ولم يبق معه إلا قلة ؛ وعزت عليه نفسه ؛ وعز عليه أن يقتل هؤلاء في معركة غير متكافئة صمم هو على دخولها.
فلما أقبل الليل دعا أصحابه وقال لهم :
" إن كنتم قد استحييتم أن تفروا عني نهارا، فالليل جاء وقد ستركم، فمن شاء فليذهب واتركوني " ٤.

١ - ضننت بالشيء أضن: بخلت به، وهو ضنين به، ورجل ضنين: بخيل. والضنة والضن: الإمساك والبخل. وقال تعالى: وما هو على الغيب بضنين (٢٤) [التكوير] فهو لا يكتم غيبا عن رسول الله، بل يبلغه كل ما أوحاه الله إليه من خبر السماء، [راجع لسان العرب، والقاموس القويم]..
٢ -خلق الكذب والإفك يخلقه وتخلقه واختلقه وافتراه: ابتدعه، الاختلاق: الكذب، وهو افتعال من الخلق والإبداع كأن الكاذب تخلق قوله. [لسان العرب- مادة: خلق]..
٣ - قال القرطبي في تفسيره [٤/ ٣٤٦٦]: "قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفي، كما قال حكيم:
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى"..

٤ - ذكر ابن كثير في كتاب [البداية والنهاية ٨/ ١٧٨] أن الحسين بن علي رضي الله عنه قال لأصحابه: "من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له فإن القوم إنما يريدونني، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه حجلا، ليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم فإن القوم إنما يريدونني، فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري، فاذهبوا حتى يفرج الله عز وجل"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير