شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وَكَانَ الله على كُلِّ شيء مقتدراً». وللشافعى رضي الله عنه:
| فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي | جَعَلتُ الرَجَا منِّي لِعَفْوكَ سُلَّمَا |
| تَعَاظَمَني ذَنبِي فَلَمَّا قَرَنتُهُ | بِعفوكَ رَبِّي كَانَ عَفوُكَ أَعظَمَا |
| جَنَينَا على النَّفس الَّتي لَك رُشدُها | بِطبْعِ الهَوى فِيها وَتِيهٍ مَن الحِجا |
| جَزَى الله خَيراً مَن أَعَدَّ لِدَائهِ | دَوَاءَ التُقَى فَاستَعمَلَ الخوف والرّجا |
| جبان وترجو أن تُلقَّبَ فَارساً | مَتَى شَابه العَضبُ اليَمَانيُّ دُملَجَا |
ثم ذكر خروج يوسف من البئر، وبيعه، ودخوله مصر، فقال:
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) صفحة رقم 582
قلت: (بضاعة) : حال من المفعول، أي: وأخفوه مبضعاً به للتجارة. و (لنعلمه) : عطف على محذوف، أي:
مكناه في الأرض ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه.. إلخ. و (دراهم) : بدل من (ثمن). قال الهروي: الأَشُدَّ: من خمسة عشر إلى أربعين سنة. وهو جمع شدة، مثل: نعمة وأنعم، وهي: القوة والجلادة في البدن والعقل. هـ.
يقول الحق جلّ جلاله: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ رفقة تسير من مدين إلى مصر، فنزلوا قريباً من الجب، وكان ذلك بعد ثلاث من إلقائه فيه. فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي يرد الماء، ويستقي لهم، وهو: مالك بن ذعر الخزاعي، فَأَدْلى دَلْوَهُ أرسلها في الجب ليملأها، فتعلق بها يوسف، فلما رآه قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ نادى البشرى، بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنه قال: تعالِ هذا أوانك. وقيل: اسم لصاحبه، ناداه ليعينه على إخراجه فأخرجوه، وَأَسَرُّوهُ أي: أخفاه الوارد، وأصحابه عن الرفقة، وقالوا: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه بمصر، حال كونه بِضاعَةً أي: متاعاً مبضعاً به للتجارة، أي: يباع ويتجر بثمنه. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ لم يخف عليه اسرارهم.
وَشَرَوْهُ أي: باعه السيارة من الرفقة، أو إخوته، فيكون الضمير راجع لهم. رُوي أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام، فأتاه يومئذٍ فلم يجده فيها، وأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا: هذا غلامنا فاشتروه، وسكت يوسف خوفاً من أن يقتلوه. أو اشتروه من إخوته لأن شرى قد يستعمل بمعنى اشترى. فاشتراه الرفقة منهم بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي: مبخوس، لزيفه أو نقصانه، دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ قليلة، فإنهم يَزنُون ما بلغ الأوقية، ويعدُّون ما دونها. قيل:
كان عشرين درهماً. وقيل: اثنين وعشرين. رُوي أن الذي اشتراه منهم مالك بن ذعر المتقدم، وكان صعلوكاً، فسأل يوسف أن يدعو له فدعا له فصار غنياً. رُوِيَ أنه قال لهم: بكم تبيعونه؟ فقالوا له: إن اشتريته بعيوبه بعناه لك. فقال: وما عيوبه؟ فقالوا: سارق كذاب، يرى الرؤيا الكاذبة. فقال لهم: بكم تبيعونه لي مع عيوبه؟ ويوسف عليه السلام ينظر إليهم ولا يتكلم، وهو يقول في نفسه: ما أظنه يقوم بثمني لأنهم يطلبون أموالاً كثيرة. قال لهم مالك:
معي دراهم قليلة تعد ولا توزن، فقالوا له: هاتها. فاشتراه منهم بتلك الدراهم المعدودة. قال ابن عباس: كانت سبعة عشر درهماً، جعل له ذلك جزاء لما قوم نفسه، وظن أنهم يطلبون فيه الأموال. هـ. وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: الراغبين عنه. يحتمل أن يكون الضمير لإخوته، وزهدهم فيه ظاهر. أو يكون للرفقة، فإن كانوا
بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق.
قال الفراء: لما اشتراه منهم مالك، قال لهم: اكتبوا لي كتاباً بخطكم بأنكم بعتم مني هذا الغلام بكذا وكذا، فكتبوا له ذلك، فلما أراد الرحيل قالوا له: اربطه لئلا يهرب، فلما همَّ بربطه قال له يوسف: خلني أودِّع ساداتي فَلَعَلَّي لا ألقاهم بعد هذا اليوم. فقال له مالك: ما أكرمك من مملوك، حيث يفعل بك هذا وأنت تتقرب منهم. فقال له يوسف: كل أحد يفعل ما يليق به، فقال له: دونك، فقصدهم وهُم قيام صفاً واحداً، فلما دنا منهم بكوا وبكى يوسف عليه السلام، ثم قالوا: والله لقد ندمنا يا يوسف على ما فعلنا، ولولا الخشية من والدنا لرددناك. هـ. ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه، فاشتراه العزيز الذي كان على خزائن مصر. واسمه: «قطفير»، وكان المَلِك يومئذٍ «ريان بن الوليد العلقمي»، وقد آمن بيوسف، ومات في حياته.
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ راعيل، أو زليخا، أَكْرِمِي مَثْواهُ اجعلي مقامه عندنا كريماً، والمعنى: أحسني تعهده، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ضِياعنا وأموالنا، نستظهر به في مصالحنا، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي: نتبنَّاه، وكان عقيماً، لما تفرس فيه من الرشد. ولذلك قيل: (أفرس الناس عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ «١»، وأبو بكر حين استخلف عمر) «٢».
قال البيضاوي: رُوي أنه اشتراه العزيز وهو ابن تسع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. واختلف فيما اشتراه به مَنْ جعل شراءً غير الأول، فقيل: عشرون ديناراً، وزوجاً نعل، وثوبان أبيضان. وقيل: ملؤه- أي وزنه- فضة، وقيل: ذهباً. هـ.
وقيل: مسكاً وحريراً.
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي: وكما مكنا محبته في قلب العزيز، أو كما مكناه في منزله، أو كما أنجيته، وعطفنا عليه العزيز، مكناه في الأرض، ليتصرف فيها بالعدل، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي:
من تأويل كتب الله المتقدمة، أو من تأويل الأحكام الحادثة بين الناس ليحكم فيها بالعدل، أو من تعبير المنامات، ليستعد لها قبل حلولها. أي: كان القصد في إنجائه وتمكينه: إقامته العدل، وتْيسير أمور الناس، وليعلَمَ معاني كُتب الله وأحكامه فينفذها، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ: لا يرده شيء، ولا ينازعه فيما يريد جبار ولا عنيد، أو: غالب
(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك (٢/ ٣٤٦) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، عن ابن مسعود وكذلك أخرجه الطبراني فى الكبير (٨/ ١٨٥ ح ٨٨٢٩).
على أمر يوسف، فيدبر أمره بالحفظ والرعاية، والنصر والعز في عاقبة أمره، خلاف ما أراد به إخوته، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن الأمر كله بيده، أو لا يفهمون لطائف صنعه، وخفايا لطفه.
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ منتهى اشتداد جسمه، وكمال عقله. وتقدم تفسير الهروي له، وحده. وقيل: ما بين الثلاثين والأربعين، آتَيْناهُ حُكْماً: حكمة، وهي النبوة. أو العلم المؤيد بالعمل. أو حُكماً بين الناس بالعدل.
وَعِلْماً يعني: علم تأويل الأحاديث، أو علماً بأسرار الربوبية، وكيفية آداب العبودية. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إذا كمل عقلهم، وتوفر آدابهم، وكمل تهذيبهم، آتيناهم الحكمة وكمال المعرفة. وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه وإتقانه عمله في عنفوان شبابه.
اَلإشارة: من ظن انفكاك لطف الله عن قدره فذلك لقصور نظره، لا سيما لطفه بالمتوجهين إليه، أو العارفين به الواصلين لحضرته. فكل ما ينزل بهم فإنما هو أقدار جارية، وأمداد سارية، وأنوار بهية، وألطاف خفية، تسبق لهم الأنوار قبل نزول الأقدار، فلا تحوم حول قلوبهم الأكدار، ولا تغير قلوبَهم رؤية الأغيار، عند نزول شدائد الأقدار، يحفظ عليهم أسرار التوحيد، وينزل عليهم أنوار التأييد، عند نزول القضاء الشديد، والبلاء العتيد. ولا بن الفارض رضي الله عنه:
| أَحبائِي أَنتُم، أَحْسَنَ الدَّهرُ أم أَسا | فَكُونُوا كما شِئتُمُ أَنا ذَلك الخِلُّ |
| تَلَذُّ لِيَ الآلامُ إذْ كُنْتَ مُسقِمي | وَإن تَخْتَبِرني فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ |
| تَحَكَّم بِمَا تَهْواهُ فِيّّ فإنَّني | فَقيرٌ لسُلطان المَحَبَّة طَائِعُ |
قال تعالى: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ: قال بعض المفسرين: هذه الآية هي قطب هذه السورة، ثم قال: أراد آدم البقاء في الجنة، وما أراد الله ذلك، فكان الأمْر مُراد الله. وأراد إبليس أن يكون رأس البررة الكرام، وأراد الله أن يكون إمام الكفرة اللئام، فكان الأمر كما أراد الله. وأراد النمرود هلاك إبراهيم عليه السلام، ولم يرده الله، فكان الأمر كما صفحة رقم 585
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي
أحمد عبد الله القرشي رسلان