ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ

وذهب الكلبي (١) وغيره إلى أن هذا من كلام الشاهد الذي هو ابن عم المرأة، وقال في قوله: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ أي سلي (٢) زوجك أن إلا يعاقبك على ما صنعت.
٣٠ - وقوله تعالى: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ الآية، أراد بالنسوة الجمع لذلك ذَكَّر فعلهن حملًا على المعنى، وإذا أنث حُمل على اللفظ، قال أبو علي: وتأنيث النساء والنسوة تأنيث جمع، كما أن التأنيث في قَالَتِ الْأَعْرَابُ [الحجرات: ١٤] كذلك، ولو لم يؤنث، كما لم يؤنث (قال نسوة) لكان حسنًا، وسمعت بعض الكبار من النحويين (٣) يقول: لو تأخر الفعل عن النسوة لكان: ونسوة قلن، فكانت النون علامة للجمع (٤) والتأنيث جميعًا، فإذا قدم الفعل وُحِّد؛ لأن فعل الجماعة إذا تقدم كان موحَّدًا، وإذا وُحِّد حذف منه علامة الجمع، فإذا حذفت علامة الجمع فقد حذفت علامة التأنيث؛ [لأن النون علامة لهما جميعًا، على أن تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث] (٥)؛ على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.
وقوله تعالى: نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ قال ابن عباس (٦): يريد نسوة من أشراف النساء. قال الكلبي (٧): هن أربع: امرأة ساقي العزيز، وامرأة

(١) الثعلبي ٧/ ٧٧ ب، و"تنوير المقباس" ص ١٤٨، و"زاد المسير" ٤/ ٢١٣.
(٢) في (ج): (تبتلى).
(٣) انظر: "المقتضب" ٣/ ٣٤٩، و"الدر المصون" ٦/ ٤٧٤.
(٤) في (أ)، (ج): (للجميع).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) البغوي ٤/ ٢٣٦ بدون نسبة لابن عباس، القرطبي ٩/ ١٧٦.
(٧) "زاد المسير" ٤/ ٢١٤، والقرطبي ٩/ ١٧٦، ونسبوه إلى ابن عباس. وانظر: "تنوير المقباس" ص ١٤٨.

صفحة رقم 86

خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وزاد مقاتل (١): امرأة الحاجب، ونحوه قال مجاهد (٢)، والأشبه ما قاله ابن عباس؛ لأن زليخا إنما اتخذت مأدبة لأشراف النساء، ولو خاض في حديثها هؤلاء النسوة لأشبه أن لا (٣) يؤخذ خوضهن مقالتهن، والمعنى: أن ذلك الذي جرى بينهما شاع وانتشر في مدينة مصر، حتى تحدث بذلك النساء وخضن فيه.
وقوله تعالى: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ يعنين زليخا، والعزيز (٤) بلغتهم الملك، يعنون أنه منيع بقدرته، والعرب تسمي الملك عزيزًا، وهو في شعر أبي دؤاد (٥):

دُرّةٌ غَاصَ عليها تَاجِرٌ جُلِبَت يَوْمَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَل
وقوله تعالى: تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ [الفتى: الحدث الشاب، والفتاة الجارية الشابة، قال ابن عباس: يريد تراود غلامها عن نفسه] (٦).
وقوله تعالى: قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا قال أبو عبيد (٧): الشغف أن يبلغ الحب شغاف القلب، وهو جلدة دونه.
(١) "تفسير مقاتل" ١٥٣ أ، الثعلبي ٧/ ٧٧ ب.
(٢) لم أجده في مظانه.
(٣) في (أ)، (ج): (أن يؤخذ) بدون لا.
(٤) الطبري ١٢/ ١٩٨ لم أجده في "تفسير الطبري" بنصه.
(٥) هو: أبو دؤاد وقيل أبو داود جارية بن الحجاج، وقيل: جويرية، وقيل: حنظلة، شاعر جاهلي. انظر: "خزانة الأدب" ٩/ ٥٩٠، و"الشعر والشعراء" ص ١٤٠.
والبيت من الرمل ونسبه الواحدي هنا إلى أبي دؤاد، ونسب إليه أيضاً في الطبري ١٢/ ١٩٨، والثعلبي ٧/ ٧٨ أوفيها: (جلبت عند عزيز...) وفي "النكت والعيون" ٣/ ٣٠، و"مجمع البيان" ٥/ ٣٥٠.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) "تهذيب اللغة" (شغف) ٢/ ١٨٩٤.

صفحة رقم 87

وقال يونس (١): شغفها أصاب شغافها مثل كبدها، وقال ابن السكيت (٢): الشغاف هو الخلبُ، وهو جليدة لاصقة بالقلب، ومنه قيل: خلبه إذا بلغ حبه خلب قلبه، وشغفها إذا بلغ حبه شغاف قلبها، وقال الفراء (٣): (شغفها حبًّا) أي: خرق شغاف قلبها، وقال ابن قتيبة (٤): يقال. شغفت فلانًا، إذا أصبت شغافه، كما تقول: كبدته (٥)، إذا أصابت كبده.
وقال ابن الأنباري (٦): الشغاف غلاف القلب، وأنشد (٧):

يَعْلَمُ اللهُ أنَّ حُبَّكِ مِنِّي في سَوَادِ الفُؤادِ وِسْطَ الشِّغَاف
قال: والمعنى: شغفها حبه، أي: أصاب شغافها، ثم نقل الفعل عن الفاعل [فخرج الفاعل] (٨) مفسرًا نحو قولهم: طاب نفسًا، وقر عينًا، واشتعل الرأس شيبًا، وهذا من كلامهم للاتساع (٩) في اللغة، والافتنان في اللفظ، وذلك أدل على البلاغة وأحلى في السمع، ولا يتعدى في هذا ما نطقت به العرب، لا يقال: عقل محمد جارية، على معنى عقلت جارية محمد، كما يقال: حسن محمد وجهًا، فعلى هذا (الحب) فاعل نقل عنه الفعل.
(١) "تهذيب اللغة" (شغف) ٢/ ١٨٩٤.
(٢) "تهذيب اللغة" (شغف) ٢/ ١٨٩٤.
(٣) "معاني القرآن" ٢/ ٤٢.
(٤) "مشكل القرآن وغريبه" ص ٢١٨.
(٥) في (أ)، (ج): (لبدته). باللام.
(٦) " الزاهر" ١/ ٥٠٩.
(٧) هو لعبد الله بن قيس الرقيات. انظر: "ديوانه" ص ٣٧، و"الزاهر" ١/ ٥٠٩.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٩) في (ج): (الاتساع).

صفحة رقم 88

وقال غير أبي بكر: المعنى شغفها الفتى بالحب، فحذف الجار ونصب الحب، كما يقال: قتله ضربًا، فعلى هذا، الفاعل هو الفتى.
وأما المفسرون، فقال ابن عباس (١) في رواية عطاء: قد دخل حبه شغاف قلبها، وهو موضع الدم، وهي الشغاف، وهذا الذي ذكره ابن عباس قول آخر في الشغاف سوى ما ذكرنا عن أهل اللغة، وقد ذكر الزجاج (٢) هذا القول في الشغاف فقال: هو حبَّة القلب وسويداء القلب، وهذا القول أبلغ في وصول الحب إلى القلب، ونحو هذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣): دخل حبه في شغافها.
وقال السدي (٤): الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.
وقال الكلبي (٥): الشغاف حجاب القلب، [تقول: حجا حبُه قلبها حتى لا تعقل سواه، وهذه الأقوال كلها تدل على أن الحب] (٦) فاعل، ثم نقل عنه الفعل؛ لأن المفسرين أسندوا الفعل إلى الحب، وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين (شعفها) بالعين (٧).

(١) الثعلبي ٧/ ٧٨ أ. وانظر: "الدر" ٤/ ٢٧ بمعناه.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠٥، و"زاد المسير" ٤/ ٢١٤.
(٣) الطبري ١٢/ ١٩٨، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٢٨، والقرطبي ٩/ ١٧٦.
(٤) الثعلبي ٧/ ٧٨ أ، الطبري ١٢/ ١٩٩، البغوي ٤/ ٢٣٦، القرطبي ٩/ ١٧٦.
(٥) الثعلبي ٧/ ٧٨ أ، البغوي ٤/ ٢٣٦.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٧) ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن محيصن وابن أبي عبلة، وأبو رجاء، انظر: الطبري ١٢/ ٢٠٠، و"إتحاف" ٢٦٤، و"زاد المسير" ٤/ ٢١٥.

صفحة رقم 89

قال ابن السكيت (١): يقال: شعفه الهوى، إذا بلغ منه، وشعف الهناء البعير، إذا بلغ منه ألمه، وقد كشف أبو عبيد (٢) عن هذا المعنى فقال: الشعف بالعين إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها (٣)، كما أن البعير إذا هُنئ بالقطران يبلغ منه مثل ذلك، ثم يستروح إليه، ونحو هذا قال أبو سعيد (٤) في قول امرئ القيس (٥):

لتقتلني (٦) وقد شَعفْتُ فؤادَها كما شَعَفَ المهنُوءَةَ الرّجُلُ الطَّالِي
قال يقول: أحرقت فؤادها بحبي كما أحرق الطالي هذا المهنوة.
وقال الفراء (٧) والزجاج (٨): شعفها بالعين معناه [ذهب بها كل مذهب، مشتق من الشعف وهو رؤوس الجبال، وفلان مشعوف بكذا] (٩)
(١) "تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٨٩.
(٢) "تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠.
(٣) في (ج): (يجد) من غير هاء.
(٤) "تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٩٠. وهو: أبو سعيد الضرير أحمد بن خالد، اعتمده الأزهري في "التهذيب". انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٤٤، و"معجم الأدباء" ١/ ٣٤٦، و"إنباه الرواة" ١/ ٤١.
(٥) البيت في "ديوانه" ص١٤٢، و"اللسان" (شعف) ٤/ ٢٢٨، والطبري ١٢/ ٢٠٠، والثعلبي ٧/ ٧٨ أ، و"تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٩٠، و"الزاهر" ١/ ٦٢٠، و"شرح أبيات سيبويه" ٢/ ٢٢٢، والقرطبي ٩/ ١٧٧.
(المهنوءة) المطلية بالقطران، وإذا هنئ البعير بالقطران يجد له لذة مع حرقة كحرقة الهوى مع لذته.
(٦) في الطبري ١٢/ ٢٠٠، والثعلبي ٧/ ٧٨ أ: (أتقتلني) وهو أقرب.
(٧) "معاني القرآن" ٢/ ٤٢.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠٥.
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

صفحة رقم 90

معناه قد ذهب به الحب أقصى المذاهب، وقال أبو زيد (١): شعفه حبها يشعفه، إذا ذهب بفؤاده، ونحو هذا قال شمر (٢)، قال: والمشعوف الذاهب القلب، وقال الأصمعي (٣) في قوله:
شَعَفَ الكلابُ الضَّارِيات فؤادَه
المشعوف، الذاهب القلب، وبه شعاف أي جنون، الأزهري (٤): وأهل هجر يقولون للمجنون مشعوف، وعلى هذا معنى (شعفها حبًا)، أي شعفت به، وكاد يذهب حبه بلبها، أي بلغ أقصى المبالغ منها وذهب بها كل مذهب.
وقال أبو بكر: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى: شعف بفلان، إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه.
وهذا الذي حكينا عنه أئمة اللغة في معنى قوله (شعفها) بالعين غير المعجمة ثلاثة أصول: أحدها: أنه من الإحراق، والثاني: أنه من الإذهاب، والثالث: أنه من الارتفاع.
وقوله تعالى: إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي ضلال عن طريق الرشد، بحبها إياه (٥)، كقوله تعالى: إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [يوسف: ٨].

(١) "تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٩٠.
(٢) "تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٩٠.
(٣) "تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٩٠. والبيت لأبي ذؤيب، وعجزه:
فإذا يرى الصبح المصدق يفزع
"ديوان الهذليين" ١/ ١٠، و"المفضليات" ص ٤٢٥، و"اللسان" (شعف) ٤/ ٢٢٨٠، و"تهذيب اللغة" (شعف) ٢/ ١٨٩٠.
(٤) كذا في النسخ ولعله (قال الأزهري) وهو في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٩٠ (شعف).
(٥) "زاد المسير" ٤/ ٢١٥، والرازي ١٨/ ١٢٦.

صفحة رقم 91

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية