ودخلَ معه السجنَ فتيان أي : فسجنوه واتفق أنه دخل معه في ذلك اليوم رجلان آخران، من عبيد الملك : ساقيه وخبازه، اتُهِمَا أنهما أرادا أن يَسُمَّاه، قال أحدهما وهو الساقي : إني أراني في المنام أعصِرُ خمراً أي : عنباً. وسماه خمراً : باعتبار ما يؤول إليه. رُوي أنه قال : رأيت كأن الملك دعاني وردني إلى قصره، فبينما أنا أدور في القصر، وإذا بثلاثة عناقيد من العنب، فعصرتها، وحملت ذلك إلى الملك لأسقيه له.
وقال الآخرُ وهو الخباز : إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكلُ : تنهش الطيرُ منه ، قال : رأيت كأن العزيز دعاني، وأخرجني من السجن، ودفع لي طيفورة عليها خبز، فوضعتها على رأسي، والطير تأكل منه. نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ؛ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا. وإنما قالا له ذلك ؛ لأنهما رأياه في السجن يعظ الناس ويعبر رؤياهم، أو من المحسنين إلى أهل السجن، كان عليه السلام، إذا رأى محتاجاً طلب له، وإذا رأى مضيقاً وسع ليه ؛ فقالا له : فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه.
وقوله تعالى : ودخل معه السجن فتيان : إشارة إلى أن امتحانه بالسجن كان لتكميل حقيقته وشريعته، فمن رأى أنه يحمل الطعام فإشارة إلى حمل لواء الشريعة، ومن رأى أنه يعصر خمراً فإشارة إلى تحقيق خمرة الحقيقة، فيكون من أهل مقام الإحسان، ولذلك قال : إنا نراك من المحسنين ، ثم ذكر نتيجة مقام الإحسان ـ وهو التوحيد الخاص ـ فقال : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء . وذكر أن ذلك ناله من باب الكرم لا من باب العمل، فقال : ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس . والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي