ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

وقال مقاتل بن سليمان (١): حُبس يوسف اثني عشرة سنة (٢)، وفي هذه الآية بيان أن العزيز أطاع زوجته في حبس يوسف، بعد علمه ببراءته، موافقة لها، وذكر المفسرون (٣) أن الله تعالى جعل ذلك الحبس [تطهيرًا] (٤) ليوسف من همه بالمرأة، وتكفيرًا لزلته، وذكر ابن الأنباري أن الله تعالى أبهم الحين هاهنا، إرادةً لتكرمة العلماء ورفعًا لأقدارهم؛ ليفزع الناس إليهم في المشكلات وهم يعرفون ذلك بتطلب التأويل (٥) والبحث عن غامض التفسير.
٣٦ - قوله تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قال السدي (٦) وقتادة (٧) والمفسرون (٨): هما غلامان كانا لملك مصر الأكبر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه، وظن أن الآخر مالأه على ذلك، فأمر بحبسهما.

(١) "تفسير مقاتل" ١٥٤ أ.
(٢) قلت الراجح -والله أعلم- هو أنه قد بدا لهم أن يسجنوه من غير تعيين زمن محدد، الذي ذكره المفسرون هو مقدار ما لبث في السجن لا المدة التي قررها الملك حين أدخله السجن. انظر ابن عطية ٧/ ٥٠٦، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٢.
(٣) الثعلبي ٧/ ٨١ أ، القرطبي ٩/ ١٨٧.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٥) إلى هنا انتهى السقط من نسخة (ب).
(٦) الطبري ١٢/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٢.
(٧) الطبري ١٢/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤١.
(٨) الطبري ١٢/ ٢١٤، الثعلبي ٧/ ٨١ ب، البغوي ٤/ ٢٤٠، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٣، القرطبي ٩/ ١٨٩.

صفحة رقم 111

والفتى في اللغة (١): الشاب القوي، قال الزجاج (٢): ويجوز أن يكونا حَدَثين أو شيخين، لأنهم كانوا يسمون المملوك فتى، قال: ولم يقل: فحبس يوسف ودخل معه السجن فتيان؛ لأن في قوله وَدَخَلَ مَعَهُ دليلًا على أنه حبس.
قال ابن عباس (٣) في رواية عطاء: في قوله (فتيان) عبدان للملك، وكان أحدهما على شراب الملك، والآخر على طعامه.
وقوله تعالى: قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا قال المفسرون (٤) كان يوسف لما دخل السجن قال لأهله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني نترايا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا.
قال ابن مسعود (٥): ما رأيا شيئًا، إنما كانا تحالما ليجربا علمه.
وقال مجاهد (٦): كانا قد رأيا حين أدخل السجن رؤيا، فأتيا يوسف، فقال له الساقي: أيها العالم إني رأيت كأني في بستان، فإذا بأصل حَبَلَة (٧)

(١) "تهذيب اللغة" (فتى) ٢٧٣١/ ٣، و"اللسان" (فتا) ٦/ ٣٣٤٧.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠٩.
(٣) انظر: البغوي ٤/ ٢٤٠، الرازي ١٨/ ١٣٣، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٢.
(٤) البغوي ٤/ ٢٤٠، الرازي ١٨/ ١٣٣، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٢.
(٥) الطبري ١٢/ ٢١٤، الثعلبي ٧/ ٨١ ب، البغوي ٤/ ٢٤٠، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٢، ابن عطية ٧/ ٥٠٧، القرطبي ٩/ ١٨٩.
(٦) الطبري ١٢/ ٢١٥، الثعلبي ٧/ ٨١ ب، البغوي ٤/ ٢٤٠، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٢، ابن عطية ٧/ ٥٠٧، القرطبي ٩/ ١٨٩.
(٧) الحبلة: يطلق على شجرة العنب قال الليث: يقال للكرمة حبلة، و"تهذيب اللغة" (حبل) ١/ ٧٣٢، و"لسان العرب" (حبل) ٢/ ٧٦٢.

صفحة رقم 112

حسنة فيها ثلاثة أغصان، عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها، فكأن كأس الملك بيدي، فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه، فذلك قوله إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا قال أبو إسحاق (١): لم يقل إني أراني في النوم أعصر خمرًا، لأن الحال يدل على أنه ليس يرى نفسه في اليقظة يعصر خمرًا، قال ابن الأنباري: لأنه لو لم يقصد للنوم كان قوله (أعصر) مستغنى به عن أَرَانِي وقال غيرهما: قد دل على المنام قولهما نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ وذلك أنه لا يكون لما يرى في اليقظة تأويل.
وقوله تعالى: أَعْصِرُ خَمْرًا قال الليث (٢): يقال: عصرت العنب وعصرته، إذا وليت عصره بنفسك، واعتصرت إذا عُصِرَ لك، والعصارة ما يحلب عن شيء بعصره، وذكر المفسرون (٣) وأهل المعاني في قوله: أَعْصِرُ خَمْرًا ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون المعنى أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف.
والثاني: أن العرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس، فيقولون: فلان يطبخ الآجُرّ، يعنون اللّبِن، فيوقعون بالفرع ما هو واقع بالأصل، ويقولون: هو يطبخ دبسًا، وهو يطبخ عصيرًا، هذا (٤) الذي ذكرنا قول الزجاج (٥) وابن الأنباري (٦).

(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠٩.
(٢) "تهذيب اللغة" (عصر) ٣/ ٢٤٥٨.
(٣) "زاد المسير" ٤/ ٢٢٣، البغوي ٤/ ٢٤٠، الرازي ١٨/ ١٣٤.
(٤) في (ج): (هو).
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠٩.
(٦) "زاد المسير" ٤/ ٢٢٣.

صفحة رقم 113

والقول الثالث: أن من العرب من يسمي العنب خمرًا، وأن قريشًا نطقت بهذه اللغة وعرفتها، فذكرها الله عز وجل في كتابه، قال الضحاك (١): نزل القرآن بكل لسان، والعنب بلغة بعضهم الخمر.
وقال الكلبي عن أبي صالح (٢): أزد وعمان يسمون العنب الخمر، وحكى الأصمعي (٣) عن المعتمر أنه لقي أعرابيًا معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر (٤).
وقال صاحب الطعام (ليوسف: إني رأيت) (٥) كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش (منه، فذلك قوله) (٦) وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ والخبز المصدر، والخبازة صنعة الخباز، (وقال الليث (٧): الطير اسم جامع) (٨) مؤنث، والواحد طائر.
وقال أحمد بن يحيى (٩): الناس كلهم يقولون للواحد طائر،

(١) الطبري ١٦/ ٩٧، ابن المنذر وابن أبي حاتم ٤/ ٢١٦ أ، كما في "الدر" ٤/ ٥٣٦، القرطبي ٩/ ١٩٠، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٣.
(٢) "تنوير المقباس" ص ١٤٩، و"زاد المسير" ٤/ ٢٢٣، وابن عطية ٧/ ٥٠٧.
(٣) الثعلبي ٧/ ٨٢ أ، ابن عطية ٧/ ٥٠٧، القرطبي ٩/ ١٩٠، "لسان العرب" (خمر) ٢/ ١٢٥٩.
(٤) ما سبق من تفسير قوله: أَعْصِرُ خَمْرًا والاحتمالات الثلاثة ذكرها صاحب اللسان (خمر) ٢/ ١٢٥٩.
(٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(٦) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(٧) "تهذيب اللغة" (طير) ٣/ ٢١٤٩، و"لسان العرب" (طير) ٥/ ٢٧٣٥.
(٨) ما بين المعقوفين بياض في (ب).
(٩) المشهور بثعلب، و"تهذيب اللغة" (طير) ٣/ ١٢٤٩، و"اللسان" (طير) ٥/ ٢٧٣٥.

صفحة رقم 114

وأبو عبيدة (١) معهم، ثم انفرد فأجاز أن يقال طير للواحد، وجمعه على طيور، قال: وهو ثقة.
وقوله تعالى: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ قال ابن عباس (٢): أخبرنا بتفسيره، قال أبو عبيد (٣): تأويل الشيء ما يرجع إليه وتصرف من المعنى الذي تحته.
وقوله تعالى: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ معناه: إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي مكارم الأخلاق، وجميع (٤) الأفعال، يدل على هذا ما قاله إبراهيم وقتادة (٥): كان يعود مرضاهم، ويعزي حزينهم، ورأوا منه محافظة على طاعة الله عز وجل فأحبوه، قال (٦) الضحاك (٧): كان إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق وَسَّع له، وإن احتاج جَمَعَ له وسأله، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المعنى: إن عبرت لنا هذين المنامين، فإنك من المحسنين إلينا، بقضائك هذه الحاجة لنا، وهذا معنى قول ابن إسحاق (٨): قال: إنا نراك من المحسنين إن فسرت لنا هذين المنامين.

(١) "تهذيب اللغة" (طير) ٣/ ١٢٤٩، "اللسان" (طير) ٥/ ٢٧٣٥.
(٢) الثعلبي ٧/ ٨٢ ب، البغوي ٤/ ٢٣٩، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٣.
(٣) الطبري ١٢/ ٢١٥ عن أبي عبيد.
(٤) كذا في جميع النسخ ولعلها (وجميل).
(٥) الطبري ١٢/ ٢١٦، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٣٤، وابن عطية ٧/ ٥٠٩، والثعلبي ٧/ ٨٢ ب، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٣.
(٦) في (ج): وقال.
(٧) الطبري ١٢/ ٢١٦، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٤٣، وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" كما في "الدر" ٤/ ٣٤، البغوي ٤/ ٢٣٩، والقرطبي ٩/ ١٩٠، والثعلبي ٧/ ٨٢ ب.
(٨) انظر الطبري ١٢/ ٢١٦، ابن عطية ٧/ ٥٠٩، "زاد المسير" ٤/ ٢٢٣، الثعلبي ٧/ ٨٢ ب.

صفحة رقم 115

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية