قال يا بني تصغير ابن صغره للشفقة أو لصغر السن قال البغوي كان يوسف ابن اثني عشر سنة، قرأ حفص ههنا وفي الصافات بفتح الياء والباقون بكسرها لا تقصص رؤياك الرؤيا مختص بما يكون في النوم أو نحو دلك من الاستغراق فرق بينهما وبين الرؤية بحرفي التأنيث كالقرية والقرى، قال البيضاوي الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما يكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فيتصور بما فيها مما لا يليق ب من المعاني الحاصلة هناك، ثم أن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية، استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه، قلت : الرؤيا هي مطالعة النفس في الصور المنطبعة في الحس المشترك من أفق المتخيلة عنده غفلتها وفراغها عن مطالعة المحسوسات في النوم أو الإغماء أو نحو دلك، وهي على ثلاثة أقسام قسمان منها باطلان والقسم الثالث منها صحيحة صالحة من حيث الأصل، لكنها قد تفسد بالعوارض ويقع فيها الخطأ بها وقد يقع الخطأ في تأويلها، أما القسمان الباطلان فالأول منهما ما تراه النفس من صور الأشياء التي رأتها في اليقظة، أو تفكر واخترعها المتخيلة من غير أصل لها في الواقع وتسمى تلك الرؤيا حديث النفس والثاني منهما ما ألقاه الشيطان في خياله وتمثل له تخويفا أو ملاعبة، فإن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وتسمى تلك الرؤيا الرؤيا السوء وتخويف الشيطان والحلم.
وأما التي هي صحيحة فهي إلهام وإعلام من الله تعالى لعبده على شيء مما في خزائن الغيب، أو على شيء من مكنونات صفاته وأحواله ودرجات القرب له من الله تعالى حتى تكون له بشارة عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رؤيا المؤمن كلام يكلم العبد ربه في المنام ) رواه الطبراني بسند صحيح والضياء، وحقيقة تلك الرؤيا الصالحة عند الصوفية أن العالم الكبير شخص له نفس وروح وقوي على هيئة الإنسان ولذلك يسمى إنسانا كبيرا، ولمشابهته يسمى الإنسان عالما صغيرا، فكما أن في العالم الصغير أعني الإنسان قوة متخيلة فكذلك في العالم الكبير متخيلة، يتخيل بها المحسوسات والمعقولات والأعراض والجواهر والمجردات والمعاني، فصور الأشياء كلها حتى الواجب تعالى وصفاته، والممكنات بأسرها المجردات منها والماديات، وما لا صورة لها في الخارج كالموت والحياة والأيام والسنين والأمراض موجودة في تلك المتخيلة بإيجاد الله تعالى، ومن أجل دلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمى على صورة امرأة سوداء، و عبر يوسف عليه السلام البقرات والسنا بل بالسنين، ومن ههنا يظهر أنه لا يشترط في الصورة كونها من حبس المحكي عنه أو مشتملا على جميع خصائصه، بل يكفي في ذلك نوع من المناسبة فلأجل تلك المناسبة الظاهرة أو الخفية يتمثل في متخيلة العالم الكبير ذلك الشيء بتلك الصورة ولأجل ذلك المناسبة الخفية رأى يوسف عليه السلام أبويه وإخوته في صورة الشمس والقمر والكواكب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الرؤيا ستة المرأة خير والبعير حرب واللبن فطرة والخضرة جنة والسفينة نجاة والتمر رزق ) رواه أبو يعلي في معجمه عن رجل من الصحابة بسند ضعيف، وتلك المتخيلة من العالم الكبير تسمى في اصطلاح الصوفية بعالم المثال ثم تلك الصورة تنطبع لأجل المناسبة والمحاذاة من متخيلة العالم الكبير في متخيلة العالم الصغير أي الإنسان، وتراه النفس حين فراغها عن مطالعة المحسوسات، فالأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات ولأجل عصمتهم عن الشيطان وعن معارضته الأوهام، ولأجل كون مناماتهم مقتصرة على العيون تنام عيونهم وقلوبهم يقظان، فيميزون مخترعات الخيال عن حقائق الإلهام انحصرت رؤياهم في القسم الثالث.
ثم عدم العوارض المفسدة للمنامات الموجبة لوقوع الخطأ فيها متيقن فيهم عليه السلام فرؤيا الأنبياء يكون وحيا قطعيا حتى تصدى خليل الله عليه السلام لذبح ابنه وقال إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ١ ورؤيا الصلحاء أعني الأولياء الذين زكوا أنفسهم بالرياضات، وأزالوا عنها الكدورات الجبلية، وتنزهوا عن ظلمات الذنوب والآثام، وتجلى بواطنهم باقتباس أنوار النبوة صالحة صادقة إلا نادرا، وذلك عند عروض كدورة بأكل شيء من المشتبهات، أو زائدا عن الحاجة بحيث تولدت منه كدورة ما أو لأجل لمم من المعصية فإنهم غير معصومين، أو لانعكاس من صحبة العوام، فرؤيا الأولياء شبيه بالوحي، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة )٢ متفق عليه من حديث أنس وأبي هريرة وعبادة بن الصامت، ورواه أحمد عنهم وأبو داود والترمذي عن عبادة، وروى البخاري عن أبي سعيد ومسلم عن ابن عمر وأبي هريرة وأحمد وابن ماجة عن أبي رزين والطبراني عن ابن مسعود بلفظ :( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) وروى ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد ( رؤيا المسلم الصالح جزء من سبعين جزءا من النبوة ) وابن ماجة واحمد بسند صحيح عن ابن عمر وأحمد عن ابن عباس ( الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة ) وفي حديث أبي رزين عند الترمذي ( رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة ) وفي حديث العبا س بن عبد المطلب عند الطبراني ( رؤيا المؤمن الصالح بشرى من الله وهي جزء من خمسين جزءا من النبوة ) وفي حديث ابن عمر عند ابن النجار( جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة ) فإن قيل : ما معنى كونها جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وما وجه التطبيق بين الأحاديث في عدد الأجزاء ؟ قلنا : كان مدة الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وعشرون سنة، وكان نصف سنة منها الوحي بالرؤيا الصالحة لا يرى شيئا في المنام إلا وجده مثل فلق الصبح، فلذلك قال جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وأما روايتا الأربعين والخمسين فمبنيتان على جبر الكسر أو طرح الكسر وأخذ العقد تقريبا، وأما رواية السبعين فالمراد منها الكثرة فإنه يطلق السبعين ويراد به الكثرة قال الله تعالى : إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ٣ فالمعنى أنها جزء من أجزاء كثيرة من الوحي وأما رواية خمسة وعشرين فشاذ.
وأما رؤيا العوام، فمناماتهم وإن كانت مستفادة من عالم المثال، لكنها تفسد وتكذب غالبا، لأجل انكدار خيالاتهم بالكدورات الجبلية النفسانية، والكدورات المكتسبة بالذنوب والآثام، ثم قد يقع الخطأ في تعبير الرؤيا إذا كانت بين الصورة والمحكي عنها من عالم المثال منا سبة خفية، وصحة التعبير أما بالإلهام من الله تعالى وهو المراد في الآية ويعلمك من تأويل الأحاديث ٤ أي يلهمك تعبير المنامات وذا لا يتصور غالبا إلا إذا كان المعبر رجلا صالحا أهلا للإلهام، وأما بالعقل السليم، روى الترمذي بسند صحيح عن أبي رزين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها سقطت ولا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا )٥ وفي بعض الروايات ( إلا من تحب ) ورواه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح عنه بلفظ ( الرؤيا على رجل طائر ما لم يعبر، ، فإذا عبرت وقعت ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي )٦ والمراد بالطائر عندي ما قضى الله وقدر له تطيره قوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ٧ أي عمله وما قدر له، فمعنى هذا الحديث عندي والله تعالى أعلم، أن رؤيا المؤمن مبني على قضاء الله تعالى، وقدر قدّر له لا يعلم هو ما قدر له ما لم يحدث بها ويعبر عنها معبر فإذا حدث بها وعبر عنها معبر بإلهام من الله تعالى أو بقوة الرأي والاستنباط الموهوبة منه تعالى، وقعت أي ظهرت واتضح ما هو مقضي له، ولا تحدث بها إلا لبيبا ذا رأي أو حبيبا واد أي رجلا صالحا يحب الله و المؤمنين ويحبه الله والمؤمنين، وهو المعنى بقوله إلا من تحب فإن فالمؤمن لا يحب إلا مؤمنا صالحا، فاللبيب يعبر بالرأي السليم، والحبيب لله تعالى يعبر بالإلهام، فلا يقع الخطأ في تأويلهما.
وما ذكرت من أقسام الرؤيا مستفاد من الأحاديث، روى ابن ماجة بسند صحيح عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الرؤيا ثلاثة منها تهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة )٨ وروى الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الرؤيا ثلاث فبشرى من الله وحديث النفس وتخويف الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصها على أحد وليقم يصلي، وأكره الغل وأحب القيد القيد ثبات في الدين )٩ وروى مسلم عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعود بالله من الشيطان فإنها لا ضره ولا يخبر بها أحد، وإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب )١٠ وعنه في الصحيحين وعند أبي داود والترمذي بلفظ ( الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث حين يستيقظ عن يساره ثلاثا فليتعوذ بالله منها فإنها لا تضره )١١ فإن قيل ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم :( من رأى رؤيا فكره فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله منها ) ؟ قلنا معناه والله أعلم أن الرؤيا إن كانت من تخويفات الشيطان وتسويلاته فيذهب وسوسته بالتعود، وإن كان من عالم المثال فقد يكون حكاية عن قضاء معلق فالتعود بالله منها أي من الرؤيا يرد القضاء المعلق إن شاء الله تعالى فلا تضره، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم :( فلا يقصها على أحد وليقم يصلي " أنه إن قصها على أحد يحزنه تعبيرها، فالأولى أن يرجع إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء حتى يدفع القضاء المعلق المحكي عنه بالرؤيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يرد القضاء إلا الدعاء )١٢ الحديث، رواه الشيخان في الصحيحين عن سلمان وابن حبان والحاكم عن ثوبان، وليس النهي عن التحديث على التحريم أو التنزيه ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد :( إني رأيت في المنام سيفي ذا الفقار انكسر وهي مصيبة، ورأيت بقرا تذبح وهي مصيبة. ) وقد مر الحديث في تفسير قوله تعالى : وإذ غدوت من أهلك ١٣ في سورة آل عمران، وأنه صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك، وقد حدث به وذكرنا الحديث في تفسير سورة القدر، ورأى ابن عباس قتل الحسين عليه السلام في رؤياه يوم قتل فحدث به، وفي الباب أحاديث كثيرة.
قلت : وجاز أن يكون النهي عن تحديث الرؤيا المكروهة كيلا يظهر الأعداء الشماتة والفرح، وعن تحديث المبشرات إلا عند اللبيب أو الحبيب كيلا يحسدوه ولذلك أمر يعقوب يوسف عليه السلام بكتمان رؤياه على إخوته فقال لا قصص رؤياك على إخوتك فيكيدون لك كيدا أي فيحتالو
٢ أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: رؤيا الصالحين (٦٩٨٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا (٢٢٦٣).
وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الرؤيا (٥٠١٠).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الرؤيا، باب: ما جاء في تعبير الرؤيا (٢٢٧٩).
وأخرجه ابن ماجة في كتاب: تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له (٣٨٩٣)..
٣ سورة التوبة، الآية: ٨٠..
٤ سورة يوسف، الآية: ٦..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الرؤيا، باب: ما جاء في تعبير الرؤيا (٢٢٧٨)..
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الرؤيا (٥٠١٢) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا إذا عبرت وقعت فلا ينقصها إلا على واد (٣٩١٤)..
٧ سورة الإسراء، الآية: ١٣..
٨ أخرجه ابن ماجة في كتاب: تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا ثلاث (٣٩٠٧)..
٩ أخرجه الترمذي في كتاب: الرؤيا، باب: في تأويل الرؤيا ما يستحب منها ومت يكره (٢٢٨٠) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا ثلاث (٣٩٠٦)..
١٠ وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا (٢٢٦١)..
١١ أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (٦٩٨٦)، وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا (٢٢٦١)..
١٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الرؤيا، باب: ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (٢١٣٩)..
١٣ سورة آل عمران، الآية: ١٢١..
التفسير المظهري
المظهري