ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

سورة يوسف مكية وآياتها١١١
لأجل أن نفهم الآيات الكريمة الواردة في هذا الربع ( الربع الثاني من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم ) لا بد لنا من الرجوع إلى ما سبقها من الآيات التي أجلنا القول فيها إلى هذه الحصة، ابتداء من مطلع سورة يوسف المكية، وأول ما نلفت إليه النظر سبب تسميتها " بسورة يوسف "، فقد تناولت قصة يوسف مع إخوته بالتفصيل، وتردد فيها اسم يوسف خمسا وعشرين مرة، وفي قصة يوسف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد وانفرد بإخراجه البخاري :( الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ).
وقد خص القاضي عبد الجبار من بين سور القرآن جميعا سورة يوسف بمقدمة نفيسة تولى فيها تحليل هذه السورة، ولفت الأنظار إلى ما فيها من مواطن العبرة والتدبر، فقال رحمه الله :" أول ما نذكر في هذه السورة أنها مشتملة من آداب الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن آداب الأخلاق، والتمسك بالصبر والحلم، وتوقع الفرج بعد حين، والتشدد في الصبر على المعاصي واحتمال المكاره، على ما لو تأمله القارئ، وتمسك بكله أو بعضه، لعظم موقع ذلك في دينه ودنياه ".
فليتأمل القارئ أولا رؤيا يوسف للكواكب والشمس والقمر، وأن أباه، صلى الله عليهما، كيف تقدم بكتمان ذلك عن إخوته، والصبر في كتمان ذلك صعب، فاحتمله تحرزا من حسدهم " إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر، رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، إن الشيطان للإنسان عدو مبين .
" وليتأمل ثانيا كيف جاد به على إخوته، لئلا يستوحشوا، وظن السلامة، مع خوفه منهم عليه، حتى أقدموا على ما أقدموا " إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين، أقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين .
" وليتأمل ثالثا أنه بعد ظهور ذلك منهم كيف احتملهم، ولم يجازهم على ما فعلوه، بقطعهم وإخراجهم عن محبته، وعن النظر لهم " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون .
" وليتأمل رابعا صورة يوسف فيما وقع إليه من امرأة العزيز، كيف تشدد في الاحتراز عنها، واحتمل لذلك الحبس الطويل، حتى كانت عاقبة صبره ما حصل من اعتراف الكل بصيانته ووصوله إلى الملك والبغية " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين وقال الملك إيتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما، وكذلك نجزي المحسنين .
" وليتأمل خامسا ما دفع إليه إخوته في تلك السنين الصعبة، من التردد إلى يوسف، يطلبون من جهته القوت، واحتمالهم لما عاملهم به وجاء يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، ولما جهزهم بجهازهم قال إيتوني بأخ لكم من أبيكم، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون .
" وليتأمل سادسا كيف صبر عليهم، وكيف احتمل في تخليص أخيه إلى حضرته، واحتباسه عنده على مهل، وقد كان يمكنه التعجل " واسم أخيه هذا بنيامين، وكان أصغر من يوسف ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه، قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون .
" وليتأمل سابعا كيف حسنت معاملته مع إخوته حين ظفر بهم، وقد كانوا عاملوه من قبل بما عاملوه به، قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون، قالوا أئنك لأنت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي، قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، قالوا تالله لقد –آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم، اليوم يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين .
" وليتأمل ثامنا كيف توصل إلى إزالة الغمة عن قلب أبيه، وصبر إلى أن ظفر بالوقت الذي أمكنه فيه إحضاره عنده على أحسن الوجوه " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا، وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا .
" وليتأمل تاسعا كيف كان صبر يعقوب صلى الله عليه وسلم في بابه، وفي باب غيبة أخيه، وهو كالراجي لعودهما إليه واجتماعه معهما " قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا، إنه هو العليم الحكيم يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .
" وليتأمل عاشرا كيف قبل يوسف عذر إخوته، وقد اعتذروا إليه، مع تلك الجنايات العظام " قالوا تالله لقد –آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فكان جوابه لا تثريب عليكم، اليوم يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين .
" وليتأمل حادي عشر كيف قبل يعقوب أيضا عذرهم " قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين وزاد بأن قال سوف أستغفر لكم ربي، إنه هو الغفور الرحيم ، " إلى وجوه أخر تركنا ذكرها ".
" ثم إنه تعالى قال في آخر السورة لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجماعة المكلفين : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون فنبه بذلك على وجوب التمسك بهذه الأخلاق والآداب. وكذلك قال تعالى في أول السورة : نحن نقص عليك أحسن القصص لأن النفع يعظم بذلك لمن تأمله ".
" وهذا معنى قوله أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها |محمد : ٢٤| لأن من تدبر القرآن، وتمسك بأحكامه وآدابه وأخلاقه، انفتح قلبه للخيرات دينا ودنيا، فإن قرأه من غير تدبر يصير قلبه كأن عليه قفلا لا يتغير عما هو عليه، فهذه المقدمة التي قدمناها في هذه السورة تنفع فيها وفي القرآن ".
انتهى نص المقدمة النفيسة التي قدم بها القاضي عبد الجبار سورة يوسف، وقد وضعنا بجانب كل نقطة منها ما يناسبها من الآيات.
وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام : لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا دليل على معرفة يعقوب بتأويل الرؤيا، وأنها ترمز إلى ظهور يوسف على إخوته وتقدمه عليهم، ولذلك نهى ابنه يوسف عن ذكرها لإخوته، وأمره بكتمانها عنهم، خوفا من أن يحتالوا للقضاء عليه والتخلص منه.
وخوف يعقوب من كيدهم إما أن يكون مبنيا على حكم العادة الشائعة بين بعض الإخوة وبعض الأقرباء إذا كانوا غير أشقاء، وإما أن يكون مبنيا على شعوره بغيرة إخوته منه وكرههم له، نظرا لشغف أبيه به دونهم. أما يعقوب نفسه فلم يبال بما ترمز إليه الرؤيا من علو مقام ابنه يوسف، لأن الأب يود عادة أن يكون ابنه خيرا منه، ولا يضيق بذلك صدرا. قال ابن كثير : " ومن هنا –أي من قوله تعالى : لا تقصص رءياك على إخوتك –يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير