قلت تأنيث الشمس لفظى مختص بلغة العرب فلا وجه لجعلها كناية عن امه مع كونها أضوء من القمر- قيل راها ليلة الجمعة ليلة القدر- فلما قصّها على أبيه.
قالَ يا بُنَيَّ تصغير ابن صغّره للشفقة او لصغر السن قال البغوي كان يوسف ابن اثنى عشر سنة- قرا حفص هاهنا وفى الصافات بفتح الياء والباقون بكسرها لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ الرؤيا مختص بما يكون فى النوم او نحو ذلك من الاستغراق فرق بينها وبين الرؤية بحر فى التأنيث كالقرية والقرى- قال البيضاوي الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة الى الحس المشترك- والصادقة منها انما يكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب- عند فراغها من تدبير البدن ادنى فراغ فيتصور بما فيها مما لا يليق من المعاني الحاصلة هناك- ثم ان المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها الى الحس المشترك فتصير مشاهدة- ثم ان كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت الا بالكلية والجزئية- استغنت الرؤيا عن التعبير والا احتاجت اليه- قلت الرؤيا هى مطالعة النفس فى الصور المنطبعة فى الحس المشترك من أفق المتخيلة عند غفلتها وفراغها عن مطالعة المحسوسات فى النوم او الإغماء او نحو ذلك- وهى على ثلاثة اقسام قسمان منها باطلان والقسم الثالث منها صحيحة صالحة من حيث الأصل- لكنها قد تفسد بالعوارض ويقع فيها الخطاء بها وقد يقع الخطاء فى تأويلها- اما القسمان الباطلان فالاول منهما ما تراه النفس من صور الأشياء الّتي راتها فى اليقظة- او تفكر واخترعها المتخيلة من غير اصل لها فى الواقع- وتسمى تلك الرؤيا حديث النفس والثاني منهما ما ألقاه الشيطان فى خياله وتمثل له تخويفا او ملاعبة- فان الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم- وتسمى تلك الرؤيا الرؤيا السوء وتخويف الشيطان والحلم- واما الّتي هى صحيحة فهى الهام واعلام من الله تعالى لعبده على شيء مما فى خزائن الغيب- او على شيء من مكنونات صفاته وأحواله ودرجات القرب له من الله تعالى حتّى تكون له بشارة- عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن كلام يكلم العبد ربه فى المنام رواه الطبراني بسند صحيح والضياء- وحقيقة تلك الرؤيا
الصالحة عند الصوفية ان العالم الكبير شخص له نفس وروح وقوى على هيئة الإنسان ولذلك يسمى إنسانا كبيرا- ولمشابهته يسمى الإنسان عالما صغيرا- فكما ان فى العالم الصغير اعنى الإنسان قوة متخيلة فكذلك فى العالم الكبير متخيلة- يتخيل بها المحسوسات والمعقولات والاعراض والجواهر والمجردات والمعاني- فصور الأشياء كلها حتّى الواجب تعالى وصفاته- والممكنات بأسرها المجردات منها والماديات- وما لا صورة لها فى الخارج كالموت والحياة والأيام والسنين والأمراض موجودة فى تلك المتخيلة- بايجاد الله تعالى- ومن أجل ذلك راى رسول الله ﷺ الحمى على صورة امراة سوداء- وعبر يوسف عليه السلام البقرات والسنابل بالسنين- ومن هاهنا يظهر انه لا يشترط فى الصورة كونها من حبس المحكي عنه او مشتملا على جميع خصائصه- بل يكفى فى ذلك نوع من المناسبة- فلاجل تلك المناسبة الظاهرة او الخفية يتمثل فى متخيلة العالم الكبير ذلك الشيء بتلك الصورة ولاجل لك المناسبة الخفية راى يوسف عليه السلام أبويه واخوته فى صورة الشمس والقمر والكواكب- وقال رسول الله ﷺ الرؤيا ستة المرأة خير والبعير حرب واللبن فطرة والخضرة جنة والسفينة نجاة والتمر رزق- رواه ابو يعلى فى معجمه عن رجل من الصحابة بسند ضعيف- وتلك المتخيلة من العالم الكبير تسمى فى اصطلاح الصوفية بعالم المثال ثم تلك الصورة تنطبع لاجل المناسبة والمحاذات من متخيلة العالم الكبير فى متخيلة العالم الصغير اى الإنسان- وتراه النفس حين فراغها «١» عن مطالعة المحسوسات- فالانبياء عليهم الصلوات والتسليمات (لاجل عصمتهم عن الشيطان وعن معارضة الأوهام- ولاجل كون مناماتهم مقتصرة على العيون تنام عيونهم وقلوبهم يقظان- فيميزون مخترعات الخيال عن حقائق الإلهام) انحصرت رؤياهم فى القسم الثالث- ثم عدم العوارض المفسدة للمنامات الموجبة لوقوع الخطاء فيها متيقن فيهم عليهم السلام فرؤيا الأنبياء يكون وحيا قطعيا حتّى تصدى خليل الله عليه السلام لذبح ابنه وقال إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى - قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ- ورؤيا الصلحاء اعنى الأولياء الذين زكوا أنفسهم بالرياضات- وأزالوا عنها الكدورات الجبلية-
وتنزهوا عن ظلمات الذنوب والآثام- وتجلى بواطنهم باقتباس أنوار النبوة صالحة صادقة الا نادرا- وذلك عند عروض كدورة بأكل شيء من المشتبهات- او زائدا على الحاجة بحيث تولدت منه كدورة ما- او لاجل لمم من المعصية فانهم غير معصومين- او لانعكاس من صحبة العوام- فرؤيا الأولياء شبيهة بالوحى- ولذلك قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- متفق عليه من حديث انس وابى هريرة وعبادة بن الصامت ورواه احمد عنهم وابو داؤد والترمذي عن عبادة وروى البخاري عن ابى سعيد ومسلم عن ابن عمرو ابى هريرة واحمد وابن ماجة عن ابى رزين والطبراني عن ابن مسعود بلفظ الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- وروى ابن ماجة بسند صحيح عن ابى سعيد رؤيا المسلم الصالح جزء من سبعين جزءا من النبوة- وابن ماجة واحمد بسند صحيح عن ابن عمرو احمد عن ابن عباس الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة- وفى حديث ابى رزين عند الترمذي رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة- وفى حديث العباس بن عبد المطلب عند الطبراني رؤيا المؤمن الصالح بشرى من الله وهى جزء من خمسين جزءا من النبوة- وفى حديث ابن عمر عند ابن النجار جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة- فان قيل ما معنى كونها جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة- وما وجه التطبيق بين الأحاديث فى عدد الاجزاء- قلنا كان مدة الوحى الى رسول الله ﷺ ثلاثا وعشرين سنة- وكان نصف سنة منها الوحى بالرؤيا الصالحة لا يرى شيئا فى المنام الا وجده مثل فلق الصبح- فلذلك قال جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- واما روايتا الأربعين والخمسين فمبنيتان على جبر الكسر او طرح الكسر وأخذ العقد تقريبا- واما رواية السبعين فالمراد منها الكثرة فانه يطلق السبعين ويراد به الكثرة قال الله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ- فالمعنى انها جزء من اجزاء كثيرة من الوحى واما رواية خمسة وعشرين فشاذ- واما رؤيا العوام- فمنا ماتهم وان كانت مستفادة من عالم المثال- لكنها تفسد وتكذب غالبا- لاجل انكدار خيالاتهم بالكدورات الجبلية النفسانية- والكدورات
صفحة رقم 139
المكتسبة بالذنوب والآثام- ثم قد يقع الخطاء فى تعبير الرؤيا إذا كانت بين الصورة والمحكي عنها من عالم المثال مناسبة خفية- وصحة التعبير اما بالإلهام من الله تعالى وهو المراد فى الاية وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ اى يلهمك تعبير المنامات وذا لا يتصور غالبا الا إذا كان المعبر رجلا صالحا أهلا للالهام- واما بالعقل السليم- روى الترمذي بسند صحيح عن ابى رزين قال قال رسول الله ﷺ رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوة- وهى على رجل طائر ما لم يحدث بها- فاذا حدث بها سقطت ولا تحدث بها الا لبيبا او حبيبا- وفى بعض الروايات الا من تحب- ورواه ابو داؤد وابن ماجة بسند صحيح عنه بلفظ الرؤيا على رجل طائر ما لم يعبر- فاذا عبرت وقعت ولا تقصّها الا على وادّا وذى رأى- والمراد بالطائر عندى ما قضى الله وقدر له نظيره قوله تعالى وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ اى عمله وما قدر له- فمعنى هذا الحديث عندى والله تعالى اعلم- ان رؤيا المؤمن مبنى على قضاء الله تعالى- وقدر قدّر له لا يعلم هو ما قدر له ما لم يحدث بها ويعبر عنها معبر فاذا حدث بها وعبر عنها معبر بالهام من الله تعالى او بقوة الرأى والاستنباط الموهوبة منه تعالى- وقعت اى ظهرت واتضح ما هو مقضى له- ولا تحدث بها الا لبيبا ذا رأى او حبيبا وادّ اى رجلا صالحا يحب الله والمؤمنين ويحبه الله والمؤمنون- وهو المعنى بقوله الا من تحب فان المؤمن لا يحب الا مؤمنا صالحا- فاللبيب يعبر بالرأى السليم- والحبيب لله تعالى يعبر بالإلهام- فلا يقع الخطاء فى تأويلهما- وما ذكرت من اقسام الرؤيا مستفاد من الأحاديث- روى ابن ماجة بسند صحيح عن عوف بن مالك قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا ثلاثة منها تهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم- ومنها ما يهم به
الرجل فى يقظته فيراه فى منامه- ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- وروى الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا ثلاث فبشرى من الله وحديث النفس وتخويف الشيطان- فاذا راى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصّها ان شاء- وان راى شيئا يكرهه فلا يقصّها على أحد وليقم يصلى- واكره الغل واحبّ القيد القيد ثبات فى الدين-
وروى مسلم عن ابى قتادة قال قال رسول الله ﷺ الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان- فمن راى رؤيا فكره منها شيئا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان فانها لا تضره ولا يخبر بها أحدا- وان راى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها الا من يحب- وعنه فى الصحيحين وعند ابى داؤد والترمذي بلفظ الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فاذا راى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث حين يستيقظ عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله منها فانها لا تضره- فان قيل ما معنى قوله ﷺ من راى رؤيا فكره فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله منها- قلنا معناه والله اعلم ان الرؤيا ان كانت من تخويفات الشيطان وتسويلاته فيذهب وسوسته بالتعوذ- وان كان من عالم المثال فقد يكون حكاية عن قضاء معلق فالتعوذ بالله منها اى من الرؤيا يردّ القضاء المعلق ان شاء الله تعالى فلا تضرّه- ومعنى قوله ﷺ فلا يقصّها على أحد وليقم يصلى انه ان قصّها على أحد يحزنه تعبيرها- فالاولى ان يرجع الى الله تعالى بالصلوة والدعاء حتّى يدفع القضاء المعلق المحكي عنه بالرؤيا- قال رسول الله ﷺ لا يردّ القضاء الا الدعاء الحديث- رواه الشيخان فى الصحيحين عن سلمان وابن حبان والحاكم عن ثوبان- وليس النهى عن التحديث على التحريم او التنزيه الا ترى ان النبي ﷺ قال لاصحابه يوم أحد انى رايت فى المنام سيفى ذا الفقار انكسر وهى مصيبة- ورايت بقرا تذبح وهى مصيبة- وقد مر الحديث فى تفسير قوله تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ فى سورة ال عمران- وانه ﷺ ارى بنى امية على منبره فساءه ذلك- وقد حدث به وذكرنا الحديث فى تفسير سورة القدر- وراى ابن عباس قتل الحسين عليه السلام فى رؤياه يوم قتل فحدث به- وفى الباب أحاديث كثيرة- قلت وجاز ان يكون النهى عن تحديث الرؤيا المكروهة كيلا يظهر الأعداء الشماتة والفرح- وعن تحديث المبشرات الا عند اللبيب او الحبيب كيلا يحسدوه ولذلك امر يعقوب يوسف عليهما السلام بكتمان رؤياه على اخوته فقال لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً اى فيحتالوا لاهلاكك حيلة حسدا- عدى الكيد
صفحة رقم 141التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي