واستوثق ليوسف ملك مصر وأقام فيهم وأحبه الرجال والنساء فذلك قوله عز وجل وكذلك أي مثل ذلك التمكين في مجلس الملك مكنا ليوسف في الأرض أرض مصر يتبوأ منها أي ينزل من بلادها حيث يشاء قرأ ابن كثير بالنون على التكلم والباقون بالياء على الغيبة ردا إلى يوسف نصيب برحمتنا أي بنعمتنا من نشاء في الدنيا والآخرة ولا نضيع أجر المحسنين بل نوفي أجورهم عاجلا وآجلا، قال ابن عباس رضي الله عليهما ووهب : يعني الصابرين، قال مجاهد وغيره : فلم يزل يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس فهذا في الدنيا ولأجر الآخرة أي ثوابها خير من نعماء الدنيا للذين آمنوا وكانوا يتقون .
ولما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام وأحسن التدبير، وبنى الحصون والبيوت الكثيرة وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد مثله، وروي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف الليل، فنادى يا يوسف الجوع الجوع، قال يوسف هذا أوان القحط، ففي السنة الأولى من سني الجدب هلك كل شيء أعدوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام، فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيد الناس منها شيء، وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق بيد أحد عبد ولا أمة، وباعهم في السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له، قلت : إن صح هذه الرواية لدلت على أن بيع الرجل نفسه وأولاده كان جائزا في شريعة يوسف عليه السلام، كما كان استرقاق السارق جائزا وقد أفتى بعض العلماء في القحط ببيع الحر نفسه وولده، ولا أصل لهذا القول في شريعتنا والله أعلم. فقال الناس ما رأينا كاليوم ملكا أجل وأعظم من هذا، ثم قال يوسف للملك كيف رأيت صنع ربي فيما خولني فما ترى ؟ قال الملك الرأي رأيك ونحن لك تبع، قال : فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أملاكهم وروي أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من الطعام في تلك الأيام، فقيل له تجوع و بيدك خزائن الأرض ؟ قال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف طباخي الملك أن يجعلوا غداه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع ولا ينسى الجائعين، فمن ثم جعل الملوك غداهم نصف النهار. قال وقصد الناس مصر من كل أوب يمتارون، فجعل يوسف لا يمكن أحدا منهم وإن كان عظيما أكثر من حمل بعير، تقسيطا بين الناس.
التفسير المظهري
المظهري