وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي : ومثل ذلك التمكين العجيب مكنا ليوسف في الأرض أي : جعلنا له مكاناً، وهو عبارة عن كمال قدرته، ونفوذ أمره ونهيه، حتى صار الملك يصدر عن رأيه، وصار الناس يعملون على أمره ونهيه يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء أي : ينزل منها حيث أراد ويتخذه مباءة، وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدّم، وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر، كما يتصرف الرجل في منزله. وقرأ ابن كثير بالنون، وقد استدلّ بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر، بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفى في قوله سبحانه : وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الذين ظَلَمُوا [ هود : ١١٣ ] نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء من العباد فنرحمه في الدنيا بالإحسان إليه، والإنعام عليه، وفي الآخرة بإدخاله الجنة وإنجائه من النار وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين في أعمالهم الحسنة التي هي مطلوب الله منهم، أي : لا نضيع ثوابهم فيها، ومجازاتهم عليها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : مَا بَالُ النسوة قال : أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب عنه قال : لما قالت امرأة العزيز : أنا راودته، قال يوسف : ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب فغمزه جبريل فقال : ولا حين هممت بها ؟ فقال : وَمَا أُبَرّىء نَفْسِي الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً : حَصْحَصَ الحق قال : تبين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدّي مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، عن حكيم بن حزام في قوله : ذلك لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب فقال له جبريل : ولا حين حللت السراويل ؟ فقال عند ذلك وما أبرئ نفسي . وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله : وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي قال : فأتاه الرسول فقال : ألقِ عنك ثياب السجن وألبس ثياباً جدداً وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن وهو يومئذٍ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاماً حدثاً، فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة ؟ وأقعده قدّامه وقال : لا تخف، وألبسه طوقاً من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابة مسروجة مزينة كدابة الملك، وضرب الطبل بمصر : إن يوسف خليفة الملك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : قال الملك ليوسف : إني أحبّ أن تخالطني في كل شيء إلاّ في أهلي. وأنا آنف أن تأكل معي، فغضب يوسف، وقال : أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم خليل الله، وأنا ابن إسحاق ذبيح الله، وأنا ابن يعقوب نبيّ الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن شيبة بن نعامة الضبي في قوله : اجعلني على خَزَائِنِ الأرض يقول : على جميع الطعام إِنّي حَفِيظٌ لما استودعتني عَلِيمٌ بسني المجاعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض قال : ملكناه فيها يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا يصنع فيها ما يشاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم، أن يوسف تزوج امرأة العزيز فوجدها بكراً، وكان زوجها عنينا.