الإيضاح : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ٥٦ ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون [ يوسف : ٥٦ -٥٧ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه إجابة الملك له بأنه أصبح لديه مكينا أمينا وطلب يوسف منه أن يجعله على خزائن الأرض يصرفها بحسب ما يرى من التدبير والنظام والدراية والإحكام.
ذكر هنا أنه أجابه إلى مطلبه وجعله وزيرا في دولته يتصرف في شؤونها لحسن تدبيره وثاقب رأيه، وذلك جار على سنن الله في خلقه، فلن ينال الرياسات العليا، والمناصب الرفيعة، إلا من يؤتيه الله من المواهب ما يجعله قادرا على ضبط الأعمال وإقامة النظام وحسن السياسة والكياسة في تصريف الأمور.
الإيضاح : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء أي ومثل هذا التمكين الذي سلف ذكر أسبابه ومقدماته، فقد ذكرنا أن إخوة يوسف لو لم يحسدوه ما ألقوه في غيابة الجب، ولو لم يلقوه لما وصل إلى عزيز مصر، ولو لم يعتقد العزيز بفراسته وأمانته وصدقه لما أمنه على بيته وماله وأهله، ولو لم تراوده امرأة العزيز عن نفسه ويستعصم لما ظهرت نزاهته وعرف أمرها، ولو لم تخب في كيدها وكيد صواحباتها ما ألقي في السجن لإخفاء هذا الأمر، ولو لم يسجن لما عرفه ساقي الملك وعرف علمه وفضله وصدقه في تعبير الرؤيا، ولو لم يعرف ذلك منه الساقي ما عرفه ملك مصر ولم يجعله على خزائن الأرض، فما من حلقة من هذه السلسلة إلا كانت متممة لما بعدها، وبإذن الله كانت سببا للوصول إلى ما يليها، فكلها في بدايتها كانت شرا وخسرا، وفي عاقبتها فوزا ونصرا مبينا، ومهدت للتمكين لدى ملك مصر.
فكما مكن له في ذلك مكن له في أرض مصر، وقد جيء به مملوكا فأصبح مالكا ذا نفوذ وأمر ونهي لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره، وصار الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه فيما يرى بما أعده الله تعالى له من تحلية بالصبر واحتمال الشدائد، والأمانة والعفة وحسن التصرف والتدبير للأمور.
نصيب برحمتنا من نشاء أي نخص برحمتنا من إعطاء الملك والرياسة والغنى والصحة ونحوها من نشاء من عبادنا، بمقتضى ما وضعنا من السنن في الأسباب الكسبية مع موافقتها للأحداث الكونية، ومراعاة النظم الاجتماعية، والفضائل الخلقية.
ولا نضيع أجر المحسنين أي ولا نضيع أجر من أحسنوا في أعمالهم بشكران هذه النعم، بل نأجرهم عليها سعادة وهناءة، وقد بذلنا تلك النعم لمن يطلبها متى أتى الأمور من أبوابها، وسار على مقتضى السنن التي وضعناها.
أما من يسيئون التصرف فيها فتصيبهم المنغصات، وتتوالى عليهم المكدرات، فالمسرفون لا يلبثون أن ينالهم الفقر والعدم، والظالمون يثيرون أضغان المظلومين، وذوو الخيلاء والبطر يكونون محتقرين، وقلما يصيب المحسنين الشاكرين من ذلك شيء وإن نالهم منه شيء يكن هيّنا عليهم وهم عليه صبر.
وفي الآية إيماء إلى أنه ما أضاع صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز بل كان جزاؤه ما مكن له في الأرض ولدى ملك مصر.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه إجابة الملك له بأنه أصبح لديه مكينا أمينا وطلب يوسف منه أن يجعله على خزائن الأرض يصرفها بحسب ما يرى من التدبير والنظام والدراية والإحكام.
ذكر هنا أنه أجابه إلى مطلبه وجعله وزيرا في دولته يتصرف في شؤونها لحسن تدبيره وثاقب رأيه، وذلك جار على سنن الله في خلقه، فلن ينال الرياسات العليا، والمناصب الرفيعة، إلا من يؤتيه الله من المواهب ما يجعله قادرا على ضبط الأعمال وإقامة النظام وحسن السياسة والكياسة في تصريف الأمور.
تفسير المراغي
المراغي