ويتابع الحق سبحانه : ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ( ٥٧ ) .
ويوضح -هنا- سبحانه أنه لا يجزي المحسنين في الدنيا فقط ؛ ولكن يجازيهم بخير أبقى في الآخرة، وكلمة " خير " تستعمل استعمالين :
الأول : هو أن شيئا خير من شيء آخر ؛ أي : أنهما شركاء في الخير، وهو المعنى المقصود هنا، والمثال : هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم :
( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان )(١).
والاستعمال الثاني لكلمة " خير " : هو خير مقابله شر، والمثال : هو قول الحق تبارك وتعالى :
فمن يعمل مثقال(٢) ذرة خيرا يره ( ٧ ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( ٨ ) [ الزلزلة ]
والحق سبحانه يريد أن يعتدل ميزان حركة الحياة، لن يعتدل ميزان حركة الحياة بأن نقول للإنسان على إطلاقه : سوف تأخذ أجر عملك الطيب في الآخرة ؛ لأن المؤمن وحده هو الذي سيصدق ذلك.
أما الكافر فقد يظلم ويسفك الدماء، ويسرق ويستشري الفساد في الأرض.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الجزاء نوعين : جزاء في الدنيا لمن يحسن، سواء أكان مؤمنا أو كافرا، وجزاء في الآخرة يختص به الحق سبحانه المؤمنين به.
والحق سبحانه يقول هنا :
ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ( ٥٧ ) [ يوسف ]
أي : أنه أكثر خيرا من جزاء الدنيا ؛ لأن جزاء الآخرة يدوم أبدا، على عكس خير الدنيا الذي قد تفوته أو يفوتك، بحكم أن الدنيا موقوتة بالنسبة لك بعمرك فيها ؛ ولكن الآخرة لها الديمومة التي شاءها الله سبحانه.
٢ - المثقال: وزن معلوم قدره، ويقول تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة..(٤٠) [النساء] أي: مقدار وزن ذرة لا يظلم شيئا صغر أو كبر، [القاموس القويم ١/ ١٠٩]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي