فكأنه قيل : فما قال لهم ؟ فقيل : قال لهم : سوف أستغفر ، أي : أطلب أن يغفر لكم ربي الذي أحسن إليّ بأنّ يغفر لبنيّ حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء والربوبية ملك هو أتم الملك على الإطلاق وهو ملك الله تعالى، وظاهر هذا الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال بل وعدهم بأن يستغفر لهم بعد ذلك، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه، فقال ابن عباس والأكثرون : أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر ؛ لأنّ هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة، وفي رواية أخرى له أنه أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة ؛ لأنها أوفق لأوقات الإجابة.
وقال وهب : كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقال طاوس : أخر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء، وقيل : استغفر لهم في الحال، وقوله : سوف أستغفر لكم معناه أني أدوام على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل، وقيل : قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه، وقال : اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما فعلوا في حق يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين.
وعن الشعبي قال : أسأل يوسف أن عفا عنكم استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم كل ذلك تسكيناً لقلوبهم وتصحيحاً لرجائهم، وروي أنّ يوسف عليه السلام كان بعث مع البشير إلى يعقوب عليه السلام مئتي راحلة وجهازاً كثيراً ليأتوا بيعقوب وأهله وولده، فتهيأ يعقوب عليه السلام للخروج إلى مصر، فخرج بهم فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وركب أهل مصر معهما بأجمعهم يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال : يا يهوذا هذا فرعون مصر ؟ قال : لا هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فقال له جبريل : لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال يعقوب : السلام عليك يا مذهب الأحزان.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني