يتجرَّعُه : يتكلف جرعه، أي : زهوقه في حلقه. رُوي :" أن الكافر يؤتى بالشربة منه فيتكرهها، فإذا أدْنيت منه شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، فإذا شربها قطعت أمعاءه " ١. فيتجرعه ولا يكادُ يُسيغُه أي : لا يقارب أن يُسيغه، أي : يبتلعه بصعوبة فكيف يُسيغه، بل يكلف به ويطول عذابه ثم يبتلعه ؛ لأن نفي " كاد " يقتضي الوقوع. والسوغ : جواز الشراب على الحلق بسهولة، وهذا بخلافه. ويأتيه الموتُ أي : أسباب الموت من كل مكانٍ ؛ من أجل الشدائد التي تُحيط به من جميع الجهات. أو : من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجليه. وما هو بميت فيستريح، ومن ورائهِ : من بين يديه عذابٌ غليظ أي : يستقبل في كل وقت عذاباً أشد مما هو عليه، وقيل : هو الخلود في النار، وقيل : حبس الأنفاس في الأجساد. قاله الفضيل بن عياض. وقيل : قوله : واستفتحوا : كلام منقطع عن قصة الرسل، بل نزل في أهل مكة حين استفتحوا بطلب المطر في السنة التي أخذتهم بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فخيب الله رجاءهم ولم يسقهم، وأوعدهم أن يسقيهم بَدَلاً من سقياهم المطر صديدَ أهل النار. قال معناه البيضاوي.
قلت : وقد وقع بنا في مدينة تِطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خُوفنا بالضرب مراراً، وسُجِنا وأُخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبُهُم : والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له : حبّاً وكرامة، ولعلّنا نُذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية : وقال الذين كفروا لرسلهم... الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مُسلماً. وبالله التوفيق.
الإشارة : ما خوَّفت الكفارُ به، رسلَهم خوفت به العوام فقراءَهم وأولياءهم، قال التجيبي، في الإنالة، لما تكلم على خفاء الأولياء، قال : ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وأنَّ غيرهم يصيب ويخطئ، ويذنب ويتوب، لكن لمن سُطرت مناقب الرجال، وكراماتهم، ولم تذكر سيئاتهم، وطال العهد بهم، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات، وقد كان لهم في أزمانهم المُحب والمبغض، والمسلّم والمنتقد. ثم قال : فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم، وقد أُخْرِجَ أبو زيد البسطامي من بسطام مراراً، ورُفِع الشبلي والخواص والنوري للسلطان، وتستر الجنيد بالفقه حين ضُيِّقَ على الفقراء، وقُبض على الحلاج، وضُرب، ومُثَّل به، على أنه ساحر زنديق. هـ. المراد منه.
قلت : وقد وقع بنا في مدينة تِطوان أيام التجريد أمثال هذا، فقد خُوفنا بالضرب مراراً، وسُجِنا وأُخرجنا من زاويتنا، وقال لنا محتسبُهُم : والله لنخرجنكم من مدينتنا، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى، فقلت له : حبّاً وكرامة، ولعلّنا نُذكرهم الله حتى يسلموا، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا، كتب لنا بهذه الآية : وقال الذين كفروا لرسلهم... الخ. وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم، وإن كان مُسلماً. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي