تفسير المفردات : يسيغه : أي يستطيبه يقال ساغ الشراب : إذا جاز الحلق بسهولة. يأتيه الموت : أي تأتيه أسبابه وتحيط به من كل جهة. عذاب غليظ : أي شديد غير منقطع.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر ما دار من الحوار والجدل بين الرسل وأقوامهم، وذكر الحجج التي أدلى بها الرسل، وقد كان فيها المقنع لمن أراد الله له الهداية والتوفيق، ومن كان له قلب يعي به الحكمة وفصل الخطاب، ذكر هنا أنهم بعد أن أفحموا لم يجدوا وسيلة إلا استعمال القوة مع أنبيائهم كما هو دأب المحجوج المغلوب في الخصومة، فخيروا رسلهم بين أحد أمرين : إما الخروج من الديار، وإما العودة إلى الملة التي عليها الآباء والأجداد، فأوحى الله إلى أنبيائه أن العاقبة لكم، وستدور عليهم الدائرة، وستحلون محلهم في ديارهم وسيعذبون في الآخرة بنار جهنم، ويرون ألوانا من العذاب لا قبل لهم بها.
ثم ذكر ألمه من ذلك الشراب فقال :
يتجرعه ولا يكاد يسيغه أي يتحساه جرعة بعد جرعة، ولا يكاد يزدرده، من شدة كراهته، ورداءة طعمه ولونه، وريحه وحرارته كما قال : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [ محمد : ١٥ ] وقال : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه [ الكهف : ٢٩ ].
ثم ذكر ما يحيط به من الأهوال فقال :
ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت أي وتحيط به أسبابه من الشدائد وأنواع العذاب من كل جهة من الجهات من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله في نار جهنم، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، لكنه لا يموت كما قال تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [ فاطر : ٣٦ ].
ثم أكد شدائدها وعظيم أهوالها فقال :
ومن ورائه عذاب غليظ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ أي مؤلم أغلظ من الذي قبله وأمرّ كما قال تعالى : وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ٤١ في سموم وحميم ٤٢ وظل من يحموم ٤٣ لا بارد ولا كريم [ الواقعة : ٤١ -٤٤ ] وقال : وإن للطاغين لشر مآب ٥٥ جهنم يصلونها فبئس المهاد ٥٦ هذا فليذوقوه حميم وغساق ٥٧ وآخر من شكله أزواج [ ص : ٥٥ -٥٨ ].
تفسير المراغي
المراغي