و يتجرعه في محل جر على أنه صفة لماء، أو في محل نصب على أنه حال. وقيل : هو استئناف مبنيّ على سؤال. والتجرع التحسي أي : يتحساه مرة بعد مرّة لا مرّة واحدة لمرارته وحرارته وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ أي : يبتلعه، يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً : إذا كان سهلاً، والمعنى : ولا يقارب إساغته، فكيف تكون الإساغة ؟ بل يغص به فيطول عذابه بالعطش تارة، ويشربه على هذه الحال أخرى. وقيل : إنه يسيغه بعد شدة وإبطاء، كقوله : وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة : ٧١ ] أي : يفعلون بعد إبطاء، كما يدلّ عليه قوله تعالى في آية أخرى يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ [ الحج : ٢٠ ] وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ أي : تأتيه أسباب الموت من كل جهة من الجهات. أو من كل موضع من مواضع بدنه. وقال الأخفش : المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتاً لشدّتها وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ أي : والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح. وقيل : تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا، ومثله قوله تعالى : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا [ الأعلى : ١٣ ]، وقيل : معنى وما هو بميت لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا وقوله : لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا [ فاطر : ٣٦ ] وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ أي من أمامه، أو من بعده عذاب شديد. وقيل هو الخلود. وقيل حبس النفس.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : واستفتحوا قال : للرسل كلها يقول استُنصروا، وفي قوله : وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ قال : معاند للحقّ مجانب له. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : استنصرت الرسل على قومها وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يقول : عنيد عن الحق معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلاّ الله. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال : العنيد الناكب عن الحق. وأخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ويسقى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال : يقرب إليه فيتكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. يقول الله تعالى : وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [ محمد : ١٥ ]. وقال : وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كالمهل يَشْوِي الوجوه [ الكهف : ٢٩ ]. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس في قوله : مِن مَّاء صَدِيدٍ قال : يسيل من جلد الكافر ولحمه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : مِن مَّاء صَدِيدٍ هو القيح والدم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ قال : أنواع العذاب، وليس منها نوع إلاّ الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول : لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [ فاطر : ٣٦ ]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ قال : من كلّ عظم وعرق وعصب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن كعب نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي قال : من موضع كل شعرة في جسده وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ قال : الخلود. وأخرج ابن المنذر عن الفضيل بن عياض وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ قال : حبس الأنفاس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مَّثَلُ الذين كَفَرُوا بِرَبّهِمْ الآية قال : مثل الذين عبدوا غيره فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم، ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني