ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

يطلبون الماء فيجابون، ولكن سقوا ماءً حميما فقطع أمعاءهم، وإن يستغيئوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، فإذا استسقوا جاءهم ماء، هو صديد يجتمع فيه قبح ذاته وحرارته، وأنه يقطع الأمعاء، ولكنهم مع ذلك يشربونه لأنهم عدموا الري، فلا ري سواه (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) أن يحاول شربه بأن يتجرعه جرعة جرعة ولا يطيق أن يشربه شربا مع رغبته في الماء، (وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) يقال: ساغه، أي شربه مستطيبا له مسيغا له، أي مرَّ في حلقه بسهولة، وكذلك أساغ، أو نقول: أساغه حاول أن يجعله يمر شيء الحلق سائغا ولا يكاد يستطيع ذلك، فقد اجتمع فيه ما ذك نا من قبح الذات والمنظر والحرارة وشأنه ليس بمرىء، وقد وصف الله تعالى حالهم، فقال: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) فالموت يأتيه من فوقه، ومن تحته، ويقول بعض الصالحين ناقلا عن المأثور: إنه لَا يبقى عضو من أعضائه إلا وكِّلَ به نوع من العذإب لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها، أي أن أسباب الموت تتضافر عليه فلا يموت، وإنه كما قال تعالى: ، ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) فهي حياة هي الفناء، بل إنه لو كان الفناء لكان خلاصها.
(وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ) أما بعد تلك الحياة الشديدة الغليظة التي لَا تفنى، ولا تُبقى، من بعدها عذاب شديد (غَلِيظٌ) يجمع بين صفتين: الشدة والغلظة، فيكون أقسى العذاب؛ لأنهم تمتعوا بالشر والأذى والاستكبار فكان ذلك العذاب جزاءً وفاقا لما قدموا.
وقد بين اللَّه تعالى مع ذلك أن ما يفعلون من نفع في الدنيا لأنه ينقصه الإيمان، بذهب هباء، فقال عز من قائل:
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)

صفحة رقم 4010

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية